احتفالات التخرج… فرح مشروع أم انفلات مرفوض؟
18 يوليو، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم: أ.د /سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم
ورئيس لجنة الدعوة الإسلامية وعضو لجنة الفتوى
بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
(غُثَاءُ البَهْجَةِ وَانْتِحَارُ الحَيَاءِ)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَمُرَبِّيًا لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الطُّهْرِ وَالْعَفَافِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}. إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْمُحْكَمَةَ تَضَعُ عَلَى عَاتِقِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مَسْؤُولِيَّةَ رِعَايَةِ الْأَبْنَاءِ وَحِفْظِ أَخْلَاقِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاقِعَ الْمُعَاصِرَ بَاتَ يَكْشِفُ عَنْ فَجْوَةٍ حَادَّةٍ بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ. وَإِنَّ مَا نُكَحِّلُ بِهِ أَعْيُنَنَا مِنْ سُلُوكِيَّاتٍ غَرِيبَةٍ وَهَابِطَةٍ لِبَعْضِ الْفَتَيَاتِ فَوْرَ خُرُوجِهِنَّ مِنْ قَاعَاتِ الِامْتِحَانَاتِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْوِيحٍ عَنِ النَّفْسِ، بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ شَرْعِيٌّ، وَمَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الِاسْتِلَابِ الْفِكْرِيِّ وَالتَّبَعِيَّةِ الْعَمْيَاءِ لِلْمَوْجَةِ الرَّقْمِيَّةِ الْمَمْسُوخَةِ. وَفِي هَذَا الْمَقَالِ نَضَعُ مِشْرَطَ النَّقْدِ عَلَى مَكْمَنِ الدَّاءِ الشَّرْعِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ
غُثَاءُ البَهْجَةِ وَانْتِحَارُ الحَيَاءِ
صَرْخَةٌ نَقْدِيَّةٌ فِي وَجْهِ عَبَثِ التَّخَرُّجِ المَعِيبِ
إنَّ تِلْكَ المَشَاهِدَ الِاسْتِعْرَاضِيَّةَ الهَابِطَةَ، وَالتَّمَايُلَ المُبْتَذَلَ لِبَعْضِ الفَتَيَاتِ فَوْرَ خُرُوجِهِنَّ مِنْ قَاعَاتِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ، لَمْ يَكُنْ يَوْمًا تَعْبِيرًا عَفْوِيًّا عَنِ الفَرَحِ؛ بَلْ هُوَ سُقُوطٌ قِيَمِيٌّ مُدَوٍّ، وَانْتِحَارٌ حَضَارِيٌّ عَلَى أَعْتَابِ الصُّرُوحِ التَّعْلِيمِيَّةِ، يَكْشِفُ عَنْ تَهَلْهُلِ المَنْظُومَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالرَّقَابَةِ الأُسَرِيَّةِ.
لقد تحوَّلَ فضاءُ العلمِ المقدَّسُ أمامَ أسوارِ المدارسِ إلى ساحةٍ لبيعِ الحياءِ قُربانًا لـ “التريند” الأعمى، وممَّا يستدعي مِشرطَ النقدِ الحادِّ لتشخيصِ هذا الورمِ السلوكيِّ واستئصالِهِ من جذورِه. وفي هذا المقَامِ نَصْرُخُ بلسانِ الغَيرةِ والألم:
عَادَ النَّجَاحُ فَهَلْ غَابَتْ مَبَادِئُنَا؟
******** وَهَلْ غَدَا العِلْمُ يَا بِنْتَ الهُدَى لَعِبَا؟
كُنَّا نَزُفُّ إِلَى العَلْيَاءِ حَافِظَةً
************ وَاليَوْمَ نَبْكِي حَيَاءً مَاتَ وَاغْتُرِبَا
يَا حُرَّةً صَانَهَا الإِسْلَامُ فِي أَدَبٍ
********** لَا تَجْعَلِي الفَرَحَ المَوْهُومَ مُنْقَلِبَا
أولاً: (الهَوَسُ الرَّقَمِيُّ وَتَعْرِيَةُ الوعْي)
* عقدةُ الالتفاتِ والاستجداءِ العاطفي:
تعاني هذه الفئةُ من استلابٍ فكريٍّ حادٍّ، يدفعُ الفتاةَ للاستعراضِ الجسديِّ طمعًا في حَصْدِ “الإعجاباتِ” الوهمية، متنازلةً عن أثمنِ ما تملكُ مقابلَ شُهرةٍ زائلةٍ رخيصة.
* القطيعُ الرقميُّ والتقليدُ الأعمى:
ذوبانُ الشخصيةِ المستقلةِ في مَسارِ الحَشْدِ العَبَثِي، حيثُ تندفعُ الفتياتُ وراءَ سُلُوكٍ ممسوخٍ تحتَ وَهْمِ الحُريةِ والتَّحَرُّرِ الزَّائِفِ من القيودِ المجتمعية.
ثانياً:(تَفْرِيغُ العِلْمِ وَهَزِيمَةُ المَحْضَنِ الأُسَرِي)
* انفصالُ التعليمِ عنِ التربيةِ الأخلاقية: تَعَامُلُ الطالباتِ مع المدارسِ بوصفِها “سجونًا معرفية”، والتعبيرُ عنِ الانعتاقِ منها بالتمردِ الأخلاقيِّ السَّافِرِ الذي يضربُ هيبةَ المؤسساتِ التعليميةِ في مَقْتَل.
* الدِّيَاثَةُ الثَّقَافِيَّةُ وَتَوَارِي القَوَامَة:
إنَّ صَمْتَ أولياءِ الأُمورِ، أو تفاخُرَ بعضِ الأمهاتِ والآباءِ بتلكَ المقاطعِ المخزيةِ وتداولَها، يُعَدُّ خِيَانَةً لِلأَمَانَةِ الرَّعَوِيَّةِ، وَإِعْلَانًا رَسْمِيًّا لِمَوْتِ الغِيرَةِ دَاخِلَ البَيْتِ المُسْلِم.
ثالثاً: (بَطَرُ النِّعْمَةِ وَالمُجَاهَرَةُ بِالخُرُوجِ عَنِ المِلَّةِ الأَخْلَاقِيَّة)
* تَبْدِيلُ الشُّكْرِ بِالبَطَرِ وَالفُجُور:
النجاحُ مَحْضُ فضلٍ وإعانةٍ من اللهِ تَعَالى، يَسْتَوْجِبُ السُّجُودَ خُشُوعًا وَخَفْضَ الجَنَاحِ، لَا الخُرُوجَ عَلَى طَاعَتِهِ بِالتَّبَرُّجِ وَالتَّمَايُلِ السَّافِرِ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيق.
* المُجَاهَرَةُ بِالمَعْصِيَةِ وَهَتْكُ السِّتْر: تَعَمُّدُ تَوْثِيقِ الصَّخَبِ وَالرَّقْصِ عَبْرَ الكَامِيرَاتِ هُوَ طَعْنَةٌ فِي جَسَدِ الحَيَاءِ العَام، وَسَعْيٌ مَشْنُوعٌ لِتَطْبِيعِ الرَّذِيلَةِ وَجَعْلِ المُنْكَرِ مَأْلُوفًا.
رابعاً: وصْفَةُ العِلَاجِ الحَاسِمَةِ
* المُقَارَبَةُ الحَزْمِيَّةُ (قَانُونُ السُّلُوكِ العَام): سَنُّ قَوَانِينَ صَارِمَةٍ تُجَرِّمُ هَذَا العَبَثَ أَمَامَ المُنْشَآتِ التَّعْلِيمِيَّة، وَاعْتِبَارُهُ جَرِيمَةَ خَدْشٍ لِلْحَيَاءِ العَام تَنَالُ العِقَابَ الرَّادِعَ لِلطَّالِبَةِ وَوَلِيِّ أَمْرِهَا.
* المُقَارَبَةُ الفِكْرِيَّةُ (الحَرْبُ عَلَى التَّسْطِيح): تَجْنِيدُ المَنَابِرِ الدِّينِيَّةِ وَالأَقْلَامِ الفِكْرِيَّةِ لِفَضْحِ ثَقَافَةِ التَّسْطِيح، وَإِعَادَةِ هَيْبَةِ “العَقْلِ وَالأَدَب” كَمِعْيَارٍ وَحِيدٍ لِتَقْيِيمِ المَرْأَةِ النَّاجِحَة.
* المُقَارَبَةُ المَيْدَانِيَّةُ (مَأْسَسَةُ الفَرَحِ الوَقُور): احْتِوَاءُ طَاقَاتِ الخِرِّيجَاتِ عَبْرَ حَفَلَاتٍ رَسْمِيَّةٍ دَاخِلَ المَدَارِس تَتَّسِمُ بِالرَّصَانَةِ وَالتَّكْرِيمِ المَعْنَوِيِّ الذي يَرْبِطُ العِلْمَ بِالمَسْؤُولِيَّةِ النَّهْضَوِيَّة.
أَيُّهَا الفُضَلَاءُ، النُبلاءُ، العُقَلاءُ،
يَا حُمَاةَ العِرْضِ وَالعَقِيدَة:
إِلَى مَتَى نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَفَرِّجِ عَلَى مَسْخِ هُوِيَّتِنَا؟! وَإِلَى مَتَى تُتْرَكُ حَرَائِرُنَا فَرِيسَةً لِمَسَالِخِ “السُّوشْيَال مِيدْيَا” الَّتِي تُرِيدُ تَجْرِيدَ المَرْأَةِ مِنْ عَفَافِهَا لِتَجْعَلَ مِنْهَا سِلْعَةً لِلْأَعْيُنِ الجَائِعَة؟!
إِنَّ النَّجَاحَ لَيْسَ صَكًّا لِلِانْفِلَاتِ، وَالتَّخَرُّجَ لَيْسَ إِذْنًا بِالتَّحَلُّلِ مِنَ الفِطْرَة! إِنَّمَا الفَرَحُ الحَقِيقِيُّ دَمْعَةٌ تَفِيضُ فِي سَجْدَةِ شُكْرٍ لِرَبِّ العَالَمِينَ، وَطُمُوحٌ يَعْنُو لَهُ المَجْدُ، وَوَقَارٌ تَزْهُو بِهِ بِنْتُ الأُصُول.
فَيَا كُلَّ أَبٍ غَيُورٍ، وَيَا كُلَّ أُمٍّ مُرَبِّيَة، وَيَا كُلَّ مَسْؤُولٍ حَمَلَ الأَمَانَة: اسْتَفِيقُوا قَبْلَ أَنْ نَبْكِيَ عَلَى أَطْلَالِ قِيَمٍ دَفَنَّاهَا بِأَيْدِينَا! أَعِيدُوا لِلْحَيَاءِ عَرْشَهُ، وَلِلْعِلْمِ هَيْبَتَهُ، فَمَا ارْتَفَعَتْ أُمَّةٌ بِالتَّمَايُلِ وَالخَنَا، وَإِنَّمَا تَرْتَفِعُ الأُمَمُ بِالعِلْمِ، وَالتَّقْوَى، وَاحْتِشَامِ الحَرَائِر.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بَنَاتِنَا، وَرُدَّنَا إِلَى دِينِكَ وَأَخْلَاقِنَا رَدًّا جَمِيلًا!