ليس كل من عُرف في الأرض معروفًا عند الله
15 يوليو، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ : حسين السمنودي
ليس كل من صفق له الناس محبوبًا عند الله، وليس كل من عاش بعيدًا عن الأضواء مجهولًا في السماء. فهناك فرقٌ شاسع بين شهرةٍ تصنعها المصالح، وقبولٍ يزرعه الله في القلوب، وبين مكانةٍ تمنحها المناصب، ومنزلةٍ يرفعها رب العالمين.
إن القبول نعمة من أعظم النعم التي يمنحها الله لعباده، لأنه رزق لا يُشترى، ولا يُفرض بالقوة، ولا يُنتزع بالحيلة، وإنما هو هبة ربانية يضعها الله حيث يشاء. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.» فكانت البداية من السماء، ثم انعكست على الأرض.
إن المقبولين في السماء لا يعرفهم الله بكثرة كلامهم، ولا بطول ثيابهم، ولا بارتفاع أصواتهم، وإنما يعرفهم بصدق قلوبهم، ونقاء نياتهم، وإخلاص أعمالهم، ورحمة صدورهم، وخوفهم منه في السر قبل العلن.
وقد ترى إنسانًا بسيطًا، لا يملك مالًا ولا منصبًا، لكنه إذا حضر أحبه الجميع، وإذا غاب افتقدوه، وإذا تكلم أنصتوا إليه، وإذا دعا أمنوا على دعائه، لأن الله ألقى له القبول في القلوب. وترى آخر يملك كل أسباب الشهرة والنفوذ، ولكنه يعيش غريبًا بين الناس، يخشاه البعض، ويتملقه آخرون، ولكن لا أحد يحبه من قلبه، لأن القبول لا يُصنع بالإعلانات، بل يصنعه الله.
إن الإنسان المقبول في الأرض هو الذي يدخل البيوت بالاحترام، ويخرج منها بالدعاء. لا يؤذي أحدًا، ولا يحمل حقدًا، ولا يفرح بسقوط الناس، ولا يبني مجده على أنقاض الآخرين. يفرح لنجاح غيره كما يفرح لنجاح نفسه، ويواسي المكسور، ويعين المحتاج، ويستر العيوب، ويجبر الخواطر، ويعلم أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الابتسامة عبادة، وأن حسن الخلق أثقل شيء في الميزان.
أما المقبول في السماء فهو الذي إذا خلا بنفسه لم يعص الله حياءً منه، وإذا قدر عفا، وإذا ظلم صبر، وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي احتسب، وإذا أخطأ استغفر، وإذا أحسن لم يمنّ بإحسانه. يعيش بين الناس بقلبٍ متواضع، يعلم أن كل فضلٍ من الله، وأن كل نعمة قد تزول إن دخلها الكبر والعجب.
كم من أناسٍ ملأوا الدنيا ضجيجًا، ثم ماتوا فلم يبق لهم إلا الذكر السيئ، وكم من رجال ونساء عاشوا في صمت، فلما رحلوا بكتهم القلوب قبل العيون، لأنهم تركوا أثرًا لا تمحوه الأيام. فالأثر الطيب هو عنوان القبول، والسيرة الحسنة هي العملة التي لا تفقد قيمتها أبدًا.
وفي الأسرة يظهر القبول حين يكون الأب مصدر أمان، والأم مصدر رحمة، والابن بارًا، والابنة صالحة، فيسكن البيت بالسكينة، وتتنزل عليه البركات. فالقبول يبدأ من البيت، ومن حسن المعاملة، ومن احترام الكبير، ورحمة الصغير، وصلة الرحم.
وفي المجتمع يكون المقبول هو الذي يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، يصلح ولا يفسد، يحفظ الأمانة، ويؤدي الحق، ويصون اللسان، ويبتعد عن الغيبة والنميمة، ويعلم أن خراب المجتمعات يبدأ حين تموت الضمائر، وأن عمرانها يبدأ حين يكثر الصادقون.
وفي ميادين العمل لا يكون المقبول أكثر الناس مهارة فحسب، بل أكثرهم أمانة وإخلاصًا. فالناس قد تنسى الإنجاز، لكنها لا تنسى الأخلاق. وقد يخطئ الإنسان مرة فيسامحه الجميع إذا عرفوا صدقه، بينما لا يغفرون الكذب لمن اعتاده.
وفي عالم السياسة والإدارة والقيادة، لا يصنع القبول الإعلام وحده، بل تصنعه العدالة، والرحمة، وخدمة الناس، والإنصاف بينهم. فالقائد المقبول هو الذي يشعر المواطن أنه واحدٌ منه، يحمل همومه، ويبحث عن مصالحه، ويجعل من منصبه وسيلةً لخدمة الناس لا وسيلةً للتكبر عليهم.
أما في العلاقات الإنسانية، فإن القبول الحقيقي لا يقوم على المصالح المؤقتة، وإنما على الوفاء والصدق والإخلاص. فالصديق المقبول هو الذي يبقى وقت الشدة، والقريب المقبول هو الذي يصل رحمه، والجار المقبول هو الذي يأمن الناس بوائقه، والزوج المقبول هو الذي يجعل من بيته جنة بالمودة والرحمة.
وللقبول علامات يعرفها أصحاب القلوب السليمة؛ منها أن يفتح الله لك أبواب الخير، وأن ييسر لك الطاعة، وأن يحبك الصالحون دون تكلف، وأن تجد لعملك أثرًا طيبًا في حياة الناس، وأن يرزقك الله لسانًا صادقًا، وذكرًا حسنًا، ودعوةً صالحةً من قلبٍ لا تعرفه.
ومن أعظم أسباب القبول: الإخلاص لله، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدق، والأمانة، والتواضع، والإحسان إلى الناس، وحفظ اللسان، وكثرة ذكر الله، والحرص على الصلاة، ورد المظالم، والبعد عن الكبر، لأن الله لا يحب المتكبرين.
إن كثيرًا من الناس يطاردون الشهرة، بينما كان الأولى أن يطاردوا القبول. فالشهرة قد تأتي بالحيلة، أما القبول فلا يأتي إلا بالطاعة. والشهرة قد يصنعها الإعلام في يوم، ثم يهدمها في يوم آخر، أما القبول فيبنيه الله في القلوب، فلا تهدمه السنون.
ولذلك كان الصالحون يخافون من الرياء أكثر من خوفهم من الفقر، لأنهم يعلمون أن العمل إذا فقد الإخلاص فقد قيمته، وأن الإنسان إذا أرضى الناس بسخط الله خسر الجميع، وإذا أرضى الله رضي عنه وأرضى عنه الناس.
إن أعظم نجاح يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يقال عنه إنه مشهور، أو غني، أو قوي، وإنما أن يقال عنه بعد موته: رحمه الله… كان إنسانًا طيبًا. تلك الكلمة وحدها تساوي كنوز الدنيا كلها، لأنها شهادة خرجت من قلوب أحبت، ومن نفوس لم تعرف إلا الخير منه.
لقد أصبح كثيرون في زماننا يبحثون عن الإعجاب أكثر من بحثهم عن الرضا، وعن التصفيق أكثر من بحثهم عن الدعاء، وعن كثرة الأتباع أكثر من حرصهم على أن يكونوا من عباد الله الصالحين. فاختلطت المعايير، وأصبح البعض يقيس النجاح بما يملك، لا بما يقدم، وبما يظهر، لا بما يخفيه قلبه من إخلاص وتقوى. غير أن ميزان السماء لا يعرف هذه المقاييس الزائفة، بل يزن القلوب قبل الوجوه، والنيات قبل الأعمال، والسرائر قبل المظاهر.
ولذلك فإن الإنسان العاقل لا يجعل همَّه أن يكون مشهورًا، وإنما أن يكون مأجورًا، ولا أن يكون حديث الناس، وإنما أن يكون موضع رحمة الله. فإن اجتمع له قبول السماء وقبول الأرض فقد فاز فوزًا عظيمًا، وإن نال رضا الناس وخسر رضا الله فقد خسر كل شيء، لأن الناس يتغيرون، أما الله سبحانه فلا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وما أجمل أن يعيش الإنسان وهو يزرع الخير حيثما حل، ويغرس المحبة في كل قلب، ويترك خلفه أثرًا طيبًا لا يمحوه الزمن. فإذا مرَّ ذكره قال الناس: كان صادقًا، وكان أمينًا، وكان رحيمًا، وكان لا يؤذي أحدًا، وكان مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر. تلك هي الشهادة التي لا تُشترى، ولا تُزوَّر، ولا تُنتزع بالقوة، لأنها خرجت من قلوب أحبت صاحبها لله.
فليكن دعاؤنا كل صباح وكل مساء: اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، واجعل لنا القبول في السماء، والقبول في الأرض، وأصلح سرائرنا قبل علانيتنا، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تجعل للدنيا في قلوبنا أكبر هم، ولا مبلغ علم، ولا غاية قصد، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
فهنيئًا لمن أحبه الله، وهنيئًا لمن أحبه الناس لأن الله أحبه، وهنيئًا لمن عاش كريمًا، ومات عزيزًا، وبقيت سيرته عطرة بعد رحيله. فالأموال تُترك، والمناصب تزول، والوجوه تغيب، والأصوات تخفت، ولا يبقى إلا العمل الصالح، والكلمة الطيبة، والأثر الحسن، والدعاء الصادق من قلبٍ عرف صاحبه فأحبه في الله.
فاحرص أن تكون ممن إذا ذُكروا استبشر الناس، وإذا حضروا اطمأنت القلوب، وإذا تكلموا صدقوا، وإذا وعدوا وفوا، وإذا اؤتمنوا أدوا الأمانة، وإذا غابوا دعا لهم الناس، وإذا ماتوا قالت السماء قبل الأرض: لقد رحل عبدٌ كان يسعى إلى رضا الله قبل رضا الخلق. وهناك فقط يدرك الإنسان أن أعظم وسام يمكن أن يناله ليس وسامًا من البشر، بل شهادة من السماء بأنه كان من المقبولين عند الله، ثم من المقبولين في قلوب عباده.