التجديد مسؤولية العلماء لا هواة المنابر
15 يوليو، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم : أ.د/ طلعت عبد الله أبو حلوة
وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر
إن التجديد يَمَسُّ كل شيء في الحياة يخضع لقانون التغير، وناموس التطور، وسنة التحول، وليس المقصود بالتجديد ترك القديم وإقصاءه وإبعاده، وإنما المقصود به العودة إلى أصله، وبعثه، وإصلاحه، وترميم ما أصابه مع المحافظة على أصوله وثوابته، والإبقاء على طابعه الأصيل وجوهره، والحفاظ على خصائصه المميزة له، وتجديدُ التراث يكون بحُسْنِ عَرْضِه، وتجلية كنوزه، والإفادة منه، وفهم تعاصُرِه، وتحقيقه وتنقيحه وتهذيبه، وتخليصه مما علق به من شوارد، وتنقيته مما أصابه من شوائب، وإعادة قراءته بروح العصر، واستلهام دُرَرِهِ الغالية، واجترار جواهره الثَّمينة، وإحيائها وبعثها من رقادها؛ لترى النور من جديد.
وبهذا فالتجديد الحق هو الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما يجمع بين التقليد والابتكار، ويحقق الاتباع والابتداع، ويحافظ على الهُوِيّة مع إظهارها في ثوب جديد، أما رفض القديم بالكليّة، وإهالة التراب عليه، والتنكر له، ومخاصمته، وهدم بنيانه، ونقض أصوله، وإهدار قِيَمه، فهذا ليس تجديدًا، وإنما هو تبديد، وطمس للهُوِيّة، وانسلاخ من الأصل، وعقوق له.
والمجدد الحقيقيّ للدين هو العالم الذي اكتملت أدواته، واستوفت شروطه، وهـو الذي يجدد الدين بالدين وللدين، وليس من أدعياء التجديد الذين يريدون تجديد الدين بأدوات فاسدة، ومناهج خاطئة، ومفاهيم مستوردة، وأفكار دخيلة، ومعايير غريبة، ويريدون كذلك أن تفرض عليه فَرْضًا، ويُكْرَه على قبولها قسرًا.
والتجديد الحقيقي للدين هو أن يقدمه أهل الذكر وعلماؤه المتخصصون منهجًا هاديًا للإنسان والزمان والمكان، متصلًا بالأصل، مشروحًا بلغة العصر، مستلهمًا الماضي، معايشًا الحاضر والواقع، مستشرفًا المستقبل، قابلًا للاجتهاد والتجديد، رافضًا للانغلاق والجمود والتقليد، محافظًا على الأصول والثوابت والقطعيّات والكليّات، مراعيًا المقاصد والمصالح والأهداف، مَرِنًا في الفروع والجزئيات والظنيّات والمتغيرات، متجددًا متطورًا في الوسائل والأدوات والآلات، منفتحًا على الحضارات الأخرى بلا ذوبان، مراعيًا الخصوصية بلا انكفاء أو انغلاق.
وتجديد العلوم العربية والإسلامية يُعَدُّ ضربًا من تجديد الدين الإسلاميّ الحنيف الذي دَعَتْ إليه الشريعة الإسلامية الغرّاء، وحَثَّتْ وأَكَّدَتْ عليه، وذلك انطلاقًا من حديث رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ على رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لها دِينَها» رواه أبو داود والطبراني والحاكم.
ولذا فإنه يشترط في الذي يتصدى لتجديد الدين أن يكون من أهل الاجتهاد والاختصاص الذين استوفت فيهم الشروط، واكتملت لهم الأدوات، لكن العجب كل العجب أن نجد هؤلاء الأدعياء المبددين وغير المؤهلين يتصدون للتجديد، ويُنَصِّبون من أنفسهم مجددين، فيأتون بالغرائب والعجائب، ويسيئون ويفسدون، فنجد الواحد من هؤلاء يفتي في الدين وهو لا يستطيع أن يقرأ النص -فضًلا عن أن يفهمه فهمًا صحيحًا- قراءة صحيحة، وقد يلوي عنق النص، فيستنبط منه حكمًا غير صحيح، أو يوجهه توجيهًا فاسدًا، ولا يراعي للنص المقدس حرمة، وكثيرًا ما تطالعنا وسائل الإعلام المختلفة -حينًا بعد آخر، وساعة بعد أخرى- بفتاوى وآراء وأحكام خاطئة -ولا سيما في القطعيات والمسلمات- تشيب لها الرؤوس، وتدهش منها العقول، وتقشعر بسببها الأبدان، أو إن شئت قلت: تضحك منها الثَّكْلى: وتضع بسبها الحَبْلى، ولو استشعر هؤلاء حجم الخطأ، وعلموا المصائب والمخاطر التي لحقت الأمة بسبب رأيهم الباطل وقياسهم الفاسد، لراجعوا أنفسهم، ولأحجموا عما أقدموا عليه، وأقحموا أنفسهم فيه، فالأمر جِدُّ خطير، وليتق الله -عز وجل- كلُّ واحد منا في أمر دينه، وليضع نُصْبَ عينيه دائمًا وأبدًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
وأخيرًا لا يسعني في هذا المقام إلا أن أهمس في أذن كل واحد من هؤلاء المجتهدين المجددين وأولئك الأدعياء المبددين، وأذكره ناصحًا بقول الشاعر:
ومـــــــا مـــن كاتب إلا ســيـفنى … ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء … يســـرك في الــقـيامـة أن تــراه