حيت تتحول النوازل إلى محاكمات جماعية «بين الغيرة والجهل : قراءة على هدي الشاطبي
18 يونيو، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم : د. ميرنا يونس
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد …
ففي كل مرة تعصف فيها حادثة بالمجتمع، نرى العقول قبل الألسنة تندفع، والآراء قبل التروي تتزاحم، وكأن الناس قد اتفقوا على أن يسابقوا الحدث لا أن يفهموه…
لا نُمهل أنفسنا ساعات قليلة للتفكير، ولا نمنح الحقيقة فرصة أن تتجلى بعيدًا عن الضجيج…
والمؤلم حقا أن هذا الانجراف لا يقتصر على العامة، بل ينسحب أحيانًا على بعض من يُنتظر منهم الاتزان؛ من أهل العلم وأساتذته، فتعلو نبرة الوعظ المجرد، وسرعان ما تتحول إلى سيل من الاتهامات التي تطال قطاعات واسعة من المجتمع، دون تثبت أو فقه أو نظر عادل…
إنها أزمة غياب العقل قبل أن تكون أزمة موقف، وخلل في الفقه قبل أن تكون خطأ في الحكم…
لو أننا تريثنا، لو أننا تعقلنا، لو أننا نظرنا للأمور بميزان لا تميل كفتاه لهوى ولا تعصب،
وإن عجزنا عن ذلك، فالصمت – والله – أصدق إيمانًا من كلام يقال بغير علم، وأقرب للحق من اتهام يُرمى به الناس جزافًا…
لمَ أصبحنا دائمًا بين طرفين لا ثالث لهما؟
تيار يغلو حتى يُضيق ما وسعه الله، وآخر يُفرط حتى يُهون ما عظمه الشرع!
أين الوسط الذي جعله النبي ﷺ ميزانًا وحياة «خير الأمور أوسطها»؟
أين هذا الميزان في القلوب والعقول والواقع؟
قبل أن تتخذ موقفًا، وقبل أن تنتمي لتيار، تعلم، تفقه، واسأل عن الحكم الشرعي بعلم وبصيرة…
ومن ذلك ما يُثار في مسألة ذهاب المرأة إلى الطبيب الرجل، خاصة في التخصصات الحرجة كطب النساء والتوليد؛ حيث يتسارع البعض إلى إطلاق الأحكام، بل وإلقاء التهم الباطلة التي تمسّ الشرف والنية، وكأنهم اطّلعوا على القلوب!
والحق أن الشريعة التي أنزلها الله لم تأتِ بالتضييق الأعمى، ولا بالتشدد المنفلت من مقاصده، بل جاءت بالعدل والرحمة ورفع الحرج…
نعم، الأصل والأولى أن تُعالج المرأة عند طبيبة مسلمة متخصصة، وهذا هو الأكمل والأحوط إن توافر، لكنه ليس حكمًا جامدًا يُغلق باب الضرورة أو الحاجة…
فإذا لم تتوفر الطبيبة، أو وُجدت مصلحة راجحة، جاز الذهاب إلى الطبيب الرجل بضوابط الشرع المعروفة من حفظ العورة بقدر الحاجة، وانتفاء الخلوة، وغيرها من الشروط المحفوظة…
فأيُّ جرأة هذه التي تجعل البعض يتهم كل من خالفت هذا الترتيب بأنها غير محترمة أو سيئة القصد؟!
أيُّ قسوة هذه التي تتجاوز حدود الحكم إلى الطعن في النيات والأعراض؟!
سبحان الله !!
أتغارون على الخلق أكثر من خالقهم؟!
قال الله ﷻ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
إن الغيرة في الإسلام منضبطة، لا عمياء، والشرع لم يأتِ ليقطع حياة الناس أو يوقعهم في الحرج، بل ليهديهم سواء السبيل “الشرع قطع أنف الغيرة”
ثم إن الخطأ – إن وقع – لا يُنسب إلى جنس دون آخر، ولا إلى مجال بعينه؛ ففي كل ميدان الصالح والطالح،
وفي كل فئةٍ من يُحسن ومن يُسيء، وقد تقع التجاوزات من رجل أو امرأة،
من طبيبٍ أو طبيبة، لكن ذلك لا يُبرر التعميم ولا يُسوغ الظلم…
إن الواقع يشهد ولا يُنكر أن الأخطاء والتجاوزات قد تقع من الرجال والنساء على السواء، بل قد تصدر من طبيبة امرأة أفعال مستقبحة لا تقل سوءًا، وربما بلغت حدّ التحرش، وهو أمرٌ مستهجنٌ مرفوض…
لكن هل يُسوّغ ذلك أن نعمم الاتهام على جميع النساء؟ أو على جميع الأطباء؟ أو على مجال كامل؟!
إن معالجة الظواهر لا تكون بالصراخ، ولا بالتشدد، ولا باتباع “الترند”،
بل تكون بالفهم، والإصلاح، ووضع الحلول الجذرية التي تمنع الخطأ قبل وقوعه…
فإن لم نملك علمًا نهدي به، ولا رأيًا نُصلح به، فالصمت أولى، الصمت أزكى، الصمت أنجى…
كفّوا عن التسرع، لأننا لا نحيط بما خفي وراء الكواليس، ولا ندرك ما أحاط بتلك الوقائع من ملابسات ودوافع،
والأهم أننا لا نعلم لمَ بُعثت إلى السطح بعد طول خفاء، أكانت نصحًا أم توظيفًا أم توقيتًا مقصودًا !!
واتقوا الله في الناس، ولا تجعلوا من الأحداث جسورًا تعبرون بها إلى إطلاق الأحكام والتهم…
وأسأل الله أن يقي مجتمعانا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ نساء المسلمين ورجالهم،
وأن يرزقنا جميعًا فقهًا في الدين، وبصيرةً في الحكم، وعدلًا في القول والعمل أنه ولي ذلك والقادر عليه.