التقوى… الميزان الحقيقي الذي يرفع الإنسان عند الله

بقلم الشيخ: مصطفى أحمد مصطفى

خلق الله الإنسان فكرَّمه وفضَّله على كثيرٍ من خلقه، وجعل له عقلاً يدرك به أمور حياته، ويهتدي به إلى الطريق المستقيم القويم. ومن أعظم الأمور التي يستخدم الإنسان فيها عقله اختيارُه لتقوى الله وعبادته، وهذا الأمر هو الفيصل الحقيقي في التفاضل بين الناس؛ إذ جعل الله سبحانه وتعالى معيار التفاضل هو التقوى، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

فتقوى الله هي الميزان الذي يرفع الله به بعض عباده على بعض، فيُعرف بها الأفضل والأقرب إلى الله. ومع أن الله سبحانه وتعالى غنيٌّ عن عبادة خلقه ولا يحتاج إليها، إلا أنه شرعها لهم ليبتليهم ويختبرهم، وليتسابقوا في طاعته ومرضاته. فاختيار الإنسان بعقله أن يكون على تقوى من الله دليلٌ على حسن استخدامه للنعمة التي وهبه الله إياها.

ومن هنا يظهر وجه التفاضل بين الخلق؛ فلم يجعل الله الأفضلية لكثرة المال، ولا لعظيم الجاه، ولا للونٍ أو نسبٍ أو مكانةٍ دنيوية، وإنما جعلها في التقوى والعمل الصالح. فأفضل الناس من كان أكثرهم طاعة لله، وأحسنهم خُلُقًا، وأبرَّهم بوالديهم، وأكثرهم محافظةً على الصلاة والذكر، وأعظمهم حرصًا على الصدقات والزكاة، وعيادة المرضى، واحترام الكبار، والرحمة بالصغار.

ولو أردنا أن نحصي أبواب العبادات والأعمال الصالحة لما استطعنا ذلك، ولكن الواجب على الإنسان أن يداوم على ما يستطيع منها في يومه وليلته. فليجعل المسلم حياته قائمة على تقوى الله، وليجعلها حاضرةً في كل شأنٍ من شؤونه؛ فإن تحرَّى التقوى في أقواله وأفعاله ومعاملاته صارت حياته كلها عبادةً لله تعالى.

فالعقل الذي رزقك الله إياه هو الوسيلة التي تهتدي بها إلى ما يرفع قدرك عند الله أو يضعه، ففكِّر جيدًا قبل أن تنجرف وراء الشهوات أو تميل مع الهوى، فإن الرجوع بعد التمادي قد يكون عسيرًا. واستعمل ما أنعم الله به عليك من نعم فيما يرضيه.

وقد دعا الله سبحانه وتعالى إلى إعمال العقل والتفكر في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، فقال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وغيرها من الآيات التي تحث على التدبر والتفكر. ولذلك ينبغي للإنسان أن يُعمل عقله فيما خُلق له، وأن يستخدمه في طاعة الله وتقواه، لا فيما يخالف مراد الله سبحانه وتعالى.