القلب في القرآن الكريم… سرُّ الهداية ومفتاح النجاة

بقلم : أ مصطفى أحمد مصطفى 

القلب في القرآن الكريم وفي واقع الحياة
إن المتأمل في كتاب الله، والمتدبر لآياته، يجد أن كلمة القلب قد ذُكرت في مواضع كثيرة، ولكنها لم ترد في موضعٍ إلا لغرضٍ عظيم وحكمةٍ بالغة.

فلو نظرنا إلى قول الله تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

في هذه الآية ذكر الله القلب، ولكن الغرض من ذكره هنا هو بيان أهمية سلامة القلب في الدنيا من أجل النجاة في الآخرة؛ فالمال والبنون لا ينفعان صاحبهما يوم القيامة كما كانا ينفعانه في الدنيا، وإنما أساس النجاة هو القلب السليم. وتكون سلامة القلب باجتناب المعاصي والذنوب، والتخلص من الحقد والغل والحسد وسائر أمراض القلوب، مع الإقبال على الطاعات، والإكثار من ذكر الله، والالتزام بما أمر الله سبحانه وتعالى.

وعند النظر في قوله تعالى:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
فالمقصود أن قلوبهم قد امتلأت بالنفاق، والغل، والحقد، والإعراض عن طاعة الله، وعدم امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وانشغلت بالدنيا وملذاتها، وأعرضت عن دين الله.

وعند النظر إلى قوله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
نرى أن الله سبحانه وتعالى جعل ذكره سببًا لطمأنينة القلب وزوال الخوف والقلق؛ فذكر الله يبعث في النفس السكينة والرضا، وكلما أكثر العبد من ذكر الله ازداد قلبه طمأنينةً وسكونًا.

وقال تعالى:

﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
فالتقوى محلها القلب؛ لأن القلب إذا لم يكن سليمًا وخاليًا من الذنوب والمعاصي، فإن العبادة تكون في ظاهرها طاعة، ولكنها في باطنها قد تخلو من الإخلاص، فلا تكون مقبولة عند الله، إذ قد تكون رياءً أو تفاخرًا.

وقال سبحانه:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾.
في هذه الآية ذكر الله القلب، وكأنه يتدبر ويعقل ما أنزله الله سبحانه وتعالى؛ فبالقلب يتأمل الإنسان عاقبة الطاعة وعاقبة المعصية، ويدرك ما يترتب على أفعاله من ثواب أو عقاب، ولذلك جعل الله القلب موضع الاعتبار والتدبر.

وقال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.
يبين الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن من أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وانشغل بشهوات الدنيا وملذاتها، لا ينبغي طاعته ولا الاقتداء به؛ لأنه لم يجعل لله نصيبًا في قلبه، ولم يفكر في الحساب، ولا فيما بعده من ثواب أو عقاب، فغفلة القلب تجعل الإنسان أسيرًا لهواه.

وقال تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
وعند التأمل في هذه الآية نجد أن الله سبحانه وتعالى شبَّه عدم تدبر القرآن الكريم بوجود أقفال محكمة على القلوب، والتعبير بالقفل يدل على شدة الإغلاق والإحكام. فالذنوب، والمعاصي، والكبر، والرياء، والغل، والحقد، والحسد، والتطلع إلى ما في أيدي الناس، كلها من الأقفال التي تحول بين القلب وبين الانتفاع بكلام الله.

ثم قال تعالى:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
يتبين في هذه الآية خطر قسوة القلب وآثارها على الإنسان؛ فهي تدفعه إلى ارتكاب الذنوب دون مبالاة بعواقبها. وشبَّه الله القلوب القاسية بالحجارة، بل جعلها أشد قسوة منها؛ لأن الحجارة مع شدتها قد يتفجر منها الماء، أما القلب القاسي فلا تلين مشاعره، ولا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالذكر، وقد يزداد صاحبه تماديًا في المعاصي والمحرمات.

ثم قال سبحانه:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾.
خص الله سبحانه وتعالى المؤمنين بهذا النداء؛ لأن المؤمن يعلم أن هذا حرام، وأن هذا معصية، وأن الله أمره بالطاعة ونهاه عن المعصية، ويعلم أن أمراض القلوب لا تليق بأهل الإيمان. فالمعاصي، والذنوب، والحقد، والغل، وسائر المحرمات، من أعظم أسباب سلب الخشوع من القلب، ولذلك جاءت هذه الآية دعوة للمؤمنين إلى تجديد خشوعهم، والازدياد منه، والرجوع إلى الله تعالى.

وقال سبحانه:

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
وهذه دعوة عظيمة يدعو بها المؤمن ربه، يسأله فيها أن يثبت قلبه على الهداية والاستقامة، وألا يرده إلى الضلال بعد أن أنعم عليه بالإيمان، ونزع من قلبه القسوة، والغل، وسائر أمراض القلوب. فالهداية نعمة من الله وحده، ولذلك يلجأ المؤمن إلى ربه دائمًا أن يثبت قلبه عليها حتى يلقاه، وفي الختام، يتبين لنا أن القلب هو موضع الإيمان والتقوى، وعليه صلاح الإنسان أو فساده، كما أخبر بذلك القرآن الكريم. فمن طهَّر قلبه بالإيمان، وداوم على ذكر الله، واجتنب أمراض القلوب، نال السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة. فلنجعل من القرآن منهجًا لإصلاح قلوبنا، ولنكثر من دعاء الله أن يثبتها على الحق، حتى نلقاه بقلبٍ سليم.