من جامع المسامير إلى صانع الطائرات لا تبحث عن قيمتك في أعين البشر

بقلم : د . مدحت علي أحمد وربي

قيمتك كبيرة يا كل إنسان ويا كل مسلم ، والذي بعرف قيمتك الحقيقية هو من خلقلك ! قال الله تعالي : ” وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي ‌جاعِلٌ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)(البقرة :30) ،فأنت الإنسان الذي استخلفه الله سبحانه وتعالى في الأرض لعمارتها، ونشر الخير، وإقامة العدل.

ومصطلح “الخليفة” يحمل معاني عظيمة، فالخلافة تعني:خلافة الأجيال: حيث يخلف بعضكم بعضاً جيلاً بعد جيل لإعمار الأرض.

والاستخلاف والمسؤولية: الله هومن منحك العقل والإرادة لتكون مسؤولاً عن تحسين الحياة وعمارة الأرض .

كانت إحدى المسؤلات تزور مصنعًا في الهند فلفتَ انتباهها عاملٌ في زاوية من زوايا المصنع ينشد الأغاني وتعلو محياه علامات السعادة، فاقتربت منه فإذا هو يجمع المسامير ويضعها في عُلب خاصة شأنه شأن بعض رفاقه بالقرب منه.

فزاد هذا الأمر استغرابها فسألته : ماذا تفعل
فقال : أنا أصنع طائرات !!
فقالت له باستغراب : طائرات
فقال : أجل سيدتي طائرات،فهذه الطلبية لشركة تصنيع طائرات، والطائرات العملاقة التي نراها تطير وتحلق في السماء لا يمكن أن تطير دون هذه المسامير الصغيرة ؛ إذا أنا مشارك في صناعة الطائرات هذه قيمتي! وهنا السر:

نظرتنا لأنفسنا هي التي تُحدد قيمتنا في الحياة 
فرق كبير بين من يرى نفسه جامع المسامير في عُلب وبين من يرى نفسه شريكًا في صناعة الطائرات !

فرق كبير بين من لا يرى من وظيفته إلا الأجر الذي يحصله وبين من يرى الأثر الذي يتركه !

كل عمل مهما كان بسيطًا يترك أثرًا في هذا العالم، يحتاج فقط أن نظر إلى هذا الأثر ! !

فعامل النظافة ليس مجرد كناسٍ للطريق بل هو شخص يُجمّل وجه مدينة !!وهذا كل صاحب عمل عليه أن يقيم نفسه تقيينا صحيحاَ .

قأنت لستَ مجرد نجاربسيط ؛بل أنتَ إنسان يحمي البيوت من السرقة و من الشمس والريح ! !

والخياط قل لنفسك :أنت لستَ مجرد خياط ؛ بل أنتَ تهب الناس لمسة أناقة !!
وأنت لستَ مجرد خطيب على المنبر؛بل أنتَ تمهد طريق الناس إلى الله !!
والمعلم قل لنفسك :أنت لستَ مجرد مُدرس صبيان أنتَ صانع أجيال وأنت مهذب ومربي النفوس !!!

والمهندس :أنت لستَ مجرد مهندس وصانع جسور أنتَ منشئ الوصل بين الناس والأماكن !

والطبيب : أنت لستَ مجرد طبيب أنتَ مخفف آلام البشر !!!

والزوجة : أنتِ لستِ مجرد ربة أسرة أنتَ أهم شخص في هذا العالم، أنتِ بأمر الله واهبة هذا الكوكب ، أنتِ أول مُربٍّ وأهمُ مُربٍّ فليس هناك صناعة أعظم من صناعة الإنسان .

فالإنسان :الذي لا يرى من عمله إلا الأجر الذي يتقاضاه فقط هو إنسان أعمى لا يرى

قيمة الإنسان الحقيقية هي بالطريقة التي ينظر بها إلى نفسه لا بالطريقة التي ينظر بها إليه الآخرون.!!!!

لا أحد يستطيع إذلالك ما لم تكن أنت تشعر بالإذلال في داخلك فعلًا، ولا أحد يستطيع رفع قيمتك ما لم تكن أنتَ تشعر بقيمة نفسك !

انظروا لسيدنا موسي والخضرعليهما السلام وقد أبت القرية كاملة علي تقديم واجب الضيافة وهما من هما .

قال تعالى :” فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها ‌فَأَبَوْا ‌أَنْ ‌يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77) “(الكهف : 77)، فلا تحزن إن جهل الناس أو تجاهلوا قيمتك ولم يعرفوها فهذه قرية كاملة لم يفتح أحدهم بابه ليطعم نبى اللّٰه موسى وصاحبه الخضر عليهما السلَام ،ويكفي أن الله تهالي قال عن سيدنا موسي :”يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا ‌وَكانَ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌وَجِيهاً (69)(الأحزاب : 69).فهو عند الله وجيها وهو كليم الله تعالي كما قال الله تعالي : “‌وَكَلَّمَ ‌اللَّهُ ‌مُوسى ‌تَكْلِيماً (164)(النساء : 164).

لا تبحثوا عن قيمتكم في أعين الناس؛ ولكن ابحثوا عنها في ضمائركم، فإذا ارتاح الضميرارتفع المقام، وإذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك فلتحرصوا علي رضي الله وكفي ،ولا تحملوا هم الدنيا فإنها لله، ولا تحملوا همَّ الرزق فإنه من الله، ولا تحملوا هم المستقبل فإنه بيد الله .

إلتفت فقط إلى قيمتك عند الله ،ودعك من البشر، احملوا همًا واحدًا وهو : كيف ترضي الله نعالي؛ لأنك لو أرضيت الله رضي عنك وأرضاك وكفاك وأغناك، وﻻ‌ ﺗﻴﺄﺱ ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺓ لم تقيم فيها التقييم الصحيح ، ﻭﻗﻞ ﻳﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻮﺿﻨﻲ ﺧﻴﺮًﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍلآ‌ﺧﺮﺓ، ﻓﺎﻟﺤﺰﻥ ﻳﺮﺣﻞ ﺑﺴﺠﺪﺓ، ﻭﺍﻟﻔﺮﺡ ﻳﺄﺗﻲ ﺑﺪﻋﻮﺓ، ولن ينسَ الله خيراً قدمته وهمًا فرّجته وعينًا كادت أن تبكي فأسعدتها .