كن كما أنت : فالأصالة سر العلاقات الإنسانيةالصادقة

بقلم أ.د/ مها عبد القادر أستاذ أصول التربية
كلية التربية  – جامعة الأزهر

أصبحت الأصالة في العلاقات الإنسانية قيمة نادرة تزداد أهميتها يومًا بعد يوم، فوسط ضغوط العمل، ومتطلبات المجتمع، والرغبة في القبول الاجتماعي، قد يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى ارتداء أقنعة متعددة، أو ممارسة قدر من المجاملة يتجاوز حدود اللياقة ليصل إلى التمثيل وإخفاء المشاعر الحقيقية، ومع مرور الوقت، تتحول العلاقات إلى مساحات من التكلف، يفقد فيها الإنسان عفويته، ويغيب عنها الصدق الذي يشكل أساس الثقة والاستقرار؛ لذلك، ينبغى إعادة الاعتبار للأصالة فهي حجر الزاوية في بناء علاقات إنسانية صحية، تقوم على الصدق والاحترام المتبادل، بعيدًا عن التصنع والمبالغة في إرضاء الآخرين.

الأصالة تعني أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه، مستقيمًا على مبادئه، متوافقًا في أقواله وأفعاله، فلا يظهر للناس وجهًا ويخفي آخر، امتثالًا لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119)، وأن يعبر عن آرائه ومشاعره بأدب وحكمة، فيجمع بين الصدق وحسن الخلق، ويحفظ للآخرين كرامتهم، اقتداءً بالنبي ﷺ حيث قال(إنَّ الصدقَ يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة)، فالإنسان الأصيل لا يتكلف ما ليس فيه، ولا يجعل غايته استرضاء الناس بالمبالغة في المدح أو بمجاراة الباطل على حساب الحق، وإنما يبتغي رضا الله أولًا، ويقدم نفسه كما هي، بصدق وتواضع، معترفًا بفضائله ومواطن تقصيره، ساعيًا إلى إصلاحها، ومن هذا السياق، تُبنى العلاقات الإنسانية على الوضوح، والأمانة، والثقة، والإخلاص، بعيدًا عن النفاق والتصنع، لأن دوام المودة لا يتحقق إلا إذا تأسست على الصدق.

وتعد الثقة ثمرة طبيعيةً للأصالة والصدق؛ حيث يجد الإنسان الطمأنينة في التعامل مع من عرف بالاستقامة وصدق السريرة، فلا يخشى منه نفاقًا ولا ازدواجيةً بين الظاهر والباطنن وقد جعل الإسلام الصدق أساسًا للعلاقات الإنسانية، لأنه يورث المودة، ويرسخ الأمان، ويهيئ بيئة يسودها الوضوح والاحترام المتبادل، مصداقًا لقول النبي ﷺ(عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة)، وفي المقابل، فإن التكلف والتصنّع وإخفاء المقاصد الحقيقية يضعف الثقة شيئًا فشيئًا، مهما بدا في ظاهره وسيلةً للمحافظة على العلاقات أو تجنب الخلافات، فالعلاقات التي تقوم على المجاملة المفرطة أو المداهنة لا تملك مقومات الاستمرار؛ لأنها تبنى على صورٍ مصطنعة وتوقعات غير واقعية، وسرعان ما تنكشف أمام أول اختبار، أما العلاقات التي تؤسس على الصدق، وتزينها الحكمة وحسن الخلق، فإنها تكون أكثر رسوخًا ودوامًا، لأنها تستند إلى قيم ثابتة دعا إليها الإسلام، وفي مقدمتها الأمانة، والإخلاص، والوفاء، والاحترام المتبادل.

إن المجاملة في أصلها من مكارم الأخلاق ومظاهر الذوق الرفيع إذا التزمت حدود الاعتدال، وكانت قائمة على الكلمة الطيبة، والبشاشة، وإدخال السرور على الآخرين، وتقدير جهودهم، وهي معاني حث عليها الإسلام، قال تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، وقال النبي ﷺ(تبسُّمُكَ في وجهِ أخيك صدقة)،غير أن المجاملة تفقد قيمتها الأخلاقية عندما تنقلب إلى نفاق أو مداهنة، أو تصبح وسيلة لإخفاء الحق، أو لتزيين الخطأ وإقراره، فيعجز الإنسان عن إبداء رأيه بصدق وحكمة خشية فقدان رضا الآخرين، وحينئذ تتحول إلى سبب في تضليل الناس، وإدامة الأخطاء، وتعطيل الإصلاح الذي أمرت به الشريعة من خلال النصيحة الصادقة، القائمة على الرفق وحسن الأسلوب، فالإسلام يدعو إلى الجمع بين الصراحة والأدب، وإلى قول الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن القسوة التي تنفر، وبعيدًا كذلك عن المداهنة التي تفسد وتضر، ليبقى ميزان العلاقات قائمًا على الصدق، والاحترام، والإخلاص.

ويعد الاحترام المتبادل ركنًا أصيلًا في بناء العلاقات الإنسانية، يكتمل بالصدق وتزدهر ثماره، فالاحترام هو الاعتراف بكرامة الإنسان وصيانة حقوقه، وحفظ مكانته، والإنصات إلى رأيه بأدب، وإن خالفنا فيه، بعيدًا عن السخرية أو الانتقاص أو التعالي، امتثالًا لقوله تعالى ﴿وَلَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (الحجرات: 11)، وقوله سبحانه وتعالي ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، فالإنسان يحترم لإنسانيته وكرامته، ويعامل بالعدل والإحسان، دون نظر إلى مكانته الاجتماعية أو انتمائه أو خلفيته الثقافية والفكرية، وعندما يقترن الصدق بالاحترام، يتحول الاختلاف إلى مساحة للحوار والتكامل وتبادل الخبرات، حيث يدرك كل طرف أن وحدة القلوب تعني القدرة على إدارة التباين بالحكمة، وحسن الظن، وسعة الصدر، والالتزام بأدب الحوار، وهو ما أرشد إليه الإسلام في قوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

وتزداد أهمية الأصالة بصورة أوضح في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت المنصات الرقمية ساحةً لعرض جوانب منتقاة من الحياة، يحرص فيها كثير من الناس على إظهار صورٍ مثالية للنجاح والسعادة والرفاهية، بينما تخفى التحديات والإخفاقات التي لا تكاد تخلو منها حياة أحد،وقد أوجد هذا الواقع انطباعاتٍ زائفة، وجعل كثيرًا من العلاقات تبنى على صور ذهنية مصنوعة أكثر من بنائها على المعرفة الحقيقية بالأشخاص، ولذلك فإن العودة إلى الأصالة تقتضي التحرر من هاجس الصورة المثالية والظهور والسعي إلى إعجاب الآخرين، واستحضار مراقبة الله قبل مراقبة الناس، والرضا بطبيعة الحياة المتغيرة والقبول بأن الإنسان بطبيعته يمر بلحظات قوة وضعف، ونجاح وإخفاق، وأن الاعتراف بذلك يزيده إنسانية.

ويعد من أصدق مظاهر الأصالة في العلاقات الإنسانية أن يتحلى الإنسان بالشجاعة الأدبية للاعتذار إذا أخطأ، وأن يعترف بتقصيره دون مكابرة أو تبرير أو إلقاء اللوم على الآخرين، فالاعتذار خلق نبيل يعكس قوة النفس، وتواضعها، وصدقها في طلب الحق، ويوضح تحمل المسؤولية وإصلاح ما أفسدته الزلات، وقد حث الإسلام على المبادرة إلى رد المظالم وإصلاح ذات البين، وجعل خير الناس من يسارع إلى التوبة والإنابة، فلا يستكبر عن الاعتراف بخطئه، ولا يمنعه الكبر من إعادة الحقوق إلى أصحابها أو طلب الصفح منهم، كما تبرز الأصالة في الوفاء بالوعود، وأداء الأمانات، والالتزام بالكلمة، والاتساق بين المبادئ والسلوك؛ فالمؤمن الحق هو من يصدق قوله فعله، ويترجم قيمه إلى مواقف عملية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3)، وقوله ﷺ(آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، فالأفعال تبقى أبلغ من الأقوال، وهي المعيار الحقيقي لصدق الإنسان وأصالته.

وتكتمل الأصالة في العلاقات بحسن الاستماع، فهو من أرقى صور الاحترام وأسمى آداب، فكثير من الخلافات تنشأ عن سوء الفهم، أو التسرع في إصدار الأحكام، أو الانشغال بالرد قبل الإنصات، أما الإصغاء الواعي فيمنح الطرف الآخر شعورًا بالتقدير، ويتيح فهم ظروفه ودوافعه ومشاعره، فيكون الحوار أقرب إلى الحكمة والعدل، وقد أرشد القرآن الكريم إلى التثبت وحسن التلقي قبل الحكم، كما أثنى على من يحسنون الاستماع ويتبعون أحسن القول، فقال سبحانه وتعالي ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (الزمر: 17-18)، وعندما يشعر الإنسان بأنه مسموع ومفهوم، تنمو الثقة بينه وبين الآخرين، ويصبح أكثر قدرة على التعبير عن رأيه بصدق وطمأنينة، فتترسخ العلاقات على أسس من الاحترام، وحسن الظن، والتفاهم، بعيدًا عن سوء التأويل والخصومات التي يثيرها غياب الحوار الصادق.

وتنطلق الأصالة في العلاقات الإنسانية من أصالة الإنسان مع نفسه؛ فمن عرف حقيقة نفسه، وأدرك رسالته في الحياة، واستقام على القيم التي يؤمن بها، كان أقدر على بناء علاقات متوازنة تقوم على الصدق والوضوح، بعيدًا عن التصنع والتلون، وتبدأ إصلاح علاقة الإنسان بالاخرين من إصلاح علاقته بربه، ثم تهذيب نفسه ومحاسبتها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9-10)، فالوعي بالذات يعني معرفة مواطن القوة لتنميتها، وإدراك جوانب التقصير لمعالجتها، حتى يعيش الإنسان منسجمًا مع مبادئه، ثابتًا على الحق، لا يتغير بتغير المصالح أو الأهواء، ومن ثم فإن تزكية النفس ومراجعتها المستمرة تمثلان الأساس القوي لبناء علاقات أكثر صدقًا، وأعمق إنسانية، وأقرب إلى مرضاة الله تعالى.

إن انتشار ثقافة الأصالة والصدق والاحترام المتبادل يسهم في ترسيخ التماسك الاجتماعي، ويجعل الثقة قيمةً راسخة تحكم التعاملات بين الأفراد والمؤسسات، فحين يعتاد الناس الصراحة المهذبة ن والنصيحة المخلصة والتقدير الصادق، وتحمل المسؤولية، تنشأ بيئة يسودها الأمن النفسي والتعاون والإحسان، فعندئذ تصبح العلاقات الإنسانية مصدرًا للمودة والرحمة، ومصدرٍ للسكينة والطمأنينة، ومجالًا للتعاون على الخير، وبناء مجتمع تسوده الثقة، وتحكمه الأخلاق، وتظلله القيم السمحة، فتصبح العلاقات صادقة، وإنسانية، ومستدامة تسهم في بناء مجتمع متماسك تسوده المحبة والامن والاستقرار.