تحريف كتاب الأذكار للإمام النووى

المقال الثالث من سلسلة (تحريفات الوهابية وتزاويرهم)

من كتاب (كشف الخفا عن عبث الوهابية بكتب العلماء) للعلامة / على مقداد الحاتمى

اعداد أ / سيد حسن الأزهرى

لا يخفى على كل متابع ومطالع ما صنعه الوهابيـة مــن طـمـس وتحريف وتزييف وتزوير لكتب أهل العلم الذين خالفوا المنهج الوهابي في العديد من الأصول والفروع … وفي هذا المبحث سنعرض وبالدليل والبرهان بعضاً !! مما اقترفته أيديهم من تحريف وتلاعب بكتب المخالفين لهم….

أولاً: فتح الإمام النووي في كتابه الأذكار فصـلاً سمــاه: (فصل في زيارة قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأذكارها)، قال فيه: (اعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإنَّ زيارته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهم القُربات، وأربح المساعي، وأفضل الطلبات، فإذا توجه للزيارة أكثر من الصَّلاة والســلام عـلـيـه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريقه) (۱).

هذا هو ما ذكره الإمام النووي… إلَّا أنَّ النَّصَّ أصبح في طبعة «الأذكار» الصادرة عن دار الهدى، الرياض، هكذا: «فصل في زيارة مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

والسبب في هذا التحريف هو لأن منهجهم الذي خطه لهم ابن تيمية يمنع من زيارة القبر الشريف… كي لا يتوسل الزائر بصاحب القبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

لدرجة أن ابن تيمية صرّح بأن لا فائدة في معـرفــة قبـور الأنبيـاء، وكذا زيارتها، فقد قال: «… وَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُمْ وَمَقْصُودُهُ مِنْ السَّلام عَلَيْهِ والصَّلاة عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِهِ وَغَيْرِ مَسْجِدِهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي إِتْيَانِ الْقَبْرِ فَائِدَةٌ هُمْ وَلَا لَهُ، بِخِلَافِ إِنْسَانِ مَسْجِدِ قُباء، فإنَّهم كَانُوا يَأْتُونَهُ كُلَّ سَبْتٍ فَيُصَلُّونَ فِيهِ اتباعاً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنَّ الصَّلاة فِيهِ كَعُمْرَةِ، وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الصَّلاةِ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ إِذْ كَانَ أَحَدُ هَدَيْنَ لَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ، بَلْ يَحْصُلُ بِهَذَا أَجْرٌ زَائِدٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى الْبَقِيعِ وَأَهْلِ أُحُدٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ كَانَ حَسَنَا، لِأَنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ لَا مَفْسَدَةً فِيهَا، وَهُمْ لَا يَدْعُونَ لهُمْ فِي كُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا يُغْنِي عَنْ هَذَا» (2).

كما صرح ابن تيمية بأن السفر لزيارة قبر نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذا غيره من الأنبياء والصالحين، غلط… فيقول: «… وَهَذَا ظَنَّ أَنَّ السَّفَرَ إِلَى زِيَارَةِ نَبِيِّنَا كَالسَّفَرِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ وُجُوهِ:

أَحَدُهَا: أَنَّ مَسْجِدَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَالسَّفَرَ إِلَيْهِ مَشْرُوعٌ بِالنَّصَّ وَالْإِجْمَاعِ ؛ بِخِلَافِ غَيْره.

وَالثَّانِي: أَنَّ زِيَارَتَهُ كَمَا يُزَارُ غَيْرُهُ مُمْتَنِعَةٌ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الْإِنْسَانُ إِلَى مَسْجِدِهِ، وَفِيهِ يَفْعَلُ مَا شُرِعَ لَهُ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْرُ نَبِيِّنَا يُزَارُ كَمَا تُزَارُ الْقُبُورُ لَكَانَ أَهْلُ مَدِينَتِهِ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَدِينَةٍ أَحَقُّ بِزِيَارَةِ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا اتَّفَقَ السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الدِّين عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَدِينَتِهِ لَا يَزُورُونَ قَبْرَهُ !!! بَلْ وَلَا يَقِفُونَ عِنْدَهُ لِلسَّلَامِ إِذَا دَخَلُوا المَسْجِدَ وَخَرَجُوا. وَإِنْ لَمْ يُسَمَّى هَذَا زِيَارَةٌ بَـلْ يُكْرَهُ لهُمْ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ السَّفَرِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَع الَّتِي لَمْ يَكُنْ صَدْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَفْعَلُونَهُ: عُلِمَ أَنَّ مَنْ جَعَلَ زِيَارَةَ قَيْرِهِ مَشْرُوعَةً كَزِيَارَةِ قَبْرِ غَيْرِهِ، فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ المُسْلِمِينَ ) (3).

هذا ما قاله ابن تيمية، وهو كلام خطير لا يقوله إلا من كان في قلبه شيء من سيد ولد آدم عليه الصَّلاة والسَّلام، مع العلم بأن علماء الأمة أجمعوا على استحباب زيارة قبره الشريف بأبي هو وأُمِّي، ونصوا في كتبهــم عــلى أنَّ زيارة قبره الشريف سنة من سنن المسلمين مُجمع عليها، قال القاضي عياض: “وَزِيَارَهُ قَبْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَفَضِيلَةٌ مُرَغَبُ فيها ” (4).

فما قام به محقق كتاب (الأذكار) يعتبر خيانة للعلم وللأمانة العلمية…. أليس فعلهم هذا تزوير وتقويل للعلماء بما لم يقولوه !!؟ أليس عملهم هذا كتمان الحكم ســار عليه المسلمون ردحاً طويلاً مــن الـزمــان ولم يعـرف لــه مخالف حتى جاءوا هـم فجعلوا أنفسهم قيِّمين على دين الله، وكأنهم وحدهـم فقـط مـن يفهم الدين على أصوله، بعيداً عن البدع والشركيات… والعياذ بالله تعالى….

____________________________

(1) انظر: الأذكار النووي (ص ٣٤٩)، نشر: الجفان والجابي، دار ابن حزم للطباعة والنشر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥هـ ٢٠٠٤م.

(2) انظر: مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤١٦).

(3) انظر: مجموع الفتاوى (٢٧ / ٢٤٣).

(4) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢ /  ١٩٤).