الدعوة التي شوّهت الأنبياء وقدّست المشايخ

المقال الحادى والثلاثون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

لم تكن الجزيرة قد لفظت أنفاسها بعد، لكنها كانت تتنفس رمادًا.

موت محمد بن عبدالوهاب لم يكن موتًا تقليديًا لرجل، بل كان حدثًا كونيًا صغيرًا تمخّض عن زلزال في الأرض والعقيدة والدماء. لقد توفي الرجل، لكن ظلاله كانت تمشي في الأسواق، وتتلوى في المساجد، وتُطل من شرفات القلاع، وتتحدث بلسان الحكّام.

في البداية، لم يكن هناك ما يُعرف بـ”الوصايا” التي تركها محمد بن عبدالوهاب، لكن مع مرور السنوات، بدأ أبناؤه وتلاميذه يدّعون أنهم ورثوا عنه “وصايا سرية”، بعضهم أخرجها على هيئة فتاوى، وبعضهم حوّلها إلى أحكام سياسية، والبعض جعلها عقيدة رسمية للدولة.

وكانت أولى تلك الوصايا التي ترددت في المجالس:

“الدعوة لا تستقيم إلا بالسيف، فإن تعذّر، فباللسان، فإن خُذِل، فبالهجر.”

قالها عبد الله بن محمد – كما زعم – في مجلس حضره الأمراء، ثم أمر بكتابة هذه العبارة على واجهات المدارس والمساجد.

كانت العبارة مثل السيف المكسور: تُثير الخوف، لكنها لا تُثبت حقيقتها.

في أواخر القرن الثامن عشر، اشتدت قبضة الدعوة على الجزيرة، وصار اسم الشيخ الراحل أشبه بالمانيفستو الديني الذي يُقسِم عليه القادة قبل توليهم المناصب.

في كل جمعة، كان الخطباء يبدؤون خطبهم بعبارة:

“الحمد لله الذي أحيانا بدعوة التوحيد، وأخرجنا من ظلمات الشرك، على يد الشيخ المجدد، محمد بن عبدالوهاب، رضي الله عنه.”

لكن خلف هذا التمجيد، كان صوتٌ آخر خافت، لا يُسمع إلا في أطراف القرى، وفي المجالس الخفية:

“أي توحيد هذا الذي يقتلنا؟”

“أي تجديد هذا الذي يمنعنا من البكاء على آبائنا؟”

“أي فكر هذا الذي يشتم التاريخ كله ثم يبني دولة على مقبرة؟”

في المدينة المنورة، حيث قبور الصحابة والآل، دبّت الحيرة بين الناس، فقد بدأ أتباع الشيخ يُثيرون قضية “التوسل”، و”الزيارة”، و”التبرك”، وكانوا يرددون:

“ما قاله الشيخ عن المدينة أعظم مما قيل عن مكة، لأن الشرك فيها أقرب، والقبور أوضح، والناس أضعف.”

كان ذلك حديثهم لا حديثه، ولكن أحدًا لم يكن يجرؤ على فصل القول عن القائل.

في الدرعية، كان “سعود الكبير” يُعدّ حملة باتجاه الحجاز، وكان يأمر الناس بالجهاد “في سبيل التوحيد”،

لكن أحد الشيوخ الكبار، وكان من تلاميذ الشيخ الراحل، وقف وقال له:

“أيها الأمير، إن أردت التوحيد، فابدأ بسوقك، حيث يُباع العبد والحرّة في آن. وإن أردت الدين، فابدأ بعلمائك الذين يتاجرون بالفُتيا كما تُتاجرون بالسلاح.”

فقُطعت لسان الشيخ بعد أسبوع، وسُجل في السجلات أنه “مات بداء مفاجئ في اللسان”.

ما كان يُراد من وصايا محمد بن عبدالوهاب، لم يكن النصوص، بل الصمت.

الصمت عن السؤال.

الصمت عن التفسير.

الصمت عن الأثر.

لقد صنعوا من فكر الشيخ سورًا صامتًا، لا أحد يتجاوزه، حتى لو تكلم.

لكن المدينة كانت تغلي.

والبصرة كانت تسخر.

والقاهرة بدأت تُعلّم في الأزهر رسالة سماها بعض الأساتذة:

“الرد على الدعوة التي شوّهت الأنبياء وقدّست المشايخ.”

ومن أطرف ما رُوي عن تلك المرحلة، أن أحد طلاب العلم كتب رسالة يسأل فيها أحد كبار المشايخ في نجد:

“هل يجوز أن نُنكر شيئًا قاله الشيخ محمد بن عبدالوهاب، إن بدا لنا ضعفُه؟”

فجاءه الجواب بعد شهر، مختومًا بخاتم الدولة:

“إنكار الشيخ إنكار للحق، وإنكار الحق نفاق، والنفاق كفر، والكفر يُقاتل، والقتال عليه أجر عظيم.”

فأُطلق على الطالب لقب “المنافق”، وسُجن سنة، ثم خرج، فهرب إلى العراق، وأصبح من أبرز خصوم الدعوة.

وفي عام 1811، وصل خبر إلى المدينة أن محمد علي باشا في مصر بدأ يعدّ حملة باتجاه الجزيرة، لتدمير الدرعية.

اجتمع العلماء والأمراء والتجّار، وخاف الجميع من انطفاء الشعلة.

قال أحدهم:

“إن الشيخ لم يمت، ما دام التوحيد معنا.”

لكنّ آخر ردّ عليه:

“بل التوحيد الحقيقي مات، وما بقي إلا توحيد البنادق.”

في آخر ذلك العام، اجتمع تلاميذ الشيخ في أحد المساجد، وقال أحدهم:

“لقد تركنا الوصايا، وتركنا الأمانة. لقد أكلتنا الدعوة. إن فكر الشيخ محمد لم يكن يومًا كما نراه اليوم. لقد شوهناه، حتى صار يخجل منا لو عاد.”

وساد صمتٌ رهيب.

ثم سأل شاب صغير:

“وهل سيعود؟”

فأجابه الشيخ العجوز:

“لا يعود من صار رمادًا.”

وانتهى المجلس، وبقيت الدعوة تمشي، لا تنظر إلى الوراء، ولا تستأذن من أحد.

لكن من يعرف التاريخ، يعرف أن النار التي تبدأ بدعوة، لا تنتهي إلا على أطلال وطنٍ لم يعد يعرف اسمه.

أطلال من جمر:

لم تكن النار التي أضرمتها الدعوة لتأكل خصومها فحسب، بل كانت تلتفُّ على نفسها كأفعى هرمةٍ، تنهش ذيلها حين لا تجد طريدة.

مع مضي العقود، وتحوّل “التوحيد” من شعار ديني إلى لافتة سياسية، بدأت المسافات تتسع بين جوهر العقيدة وروح الإنسان.

أصبح الناس في نجد يُصنفون لا على أساس أعمالهم أو قلوبهم، بل بناء على عدد مرات إنكارهم “البدع”، وعدد خصومهم من العلماء “غير المرضيين”.

صار الطفل منذ نعومة أظفاره يُلقّن لا أن يعرف الله، بل أن يُكفّر من لا يعرفه كما عرّفه الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

كان ابن عبدالوهاب قد مات، لكن أبناءه، وأبناء أبنائه، وتلامذته، كانوا يملؤون الأرض…

واحدٌ في القضاء، وآخر في الفتيا، وثالث في الجيش، ورابع في قصر الأمير.

كلهم يدّعون أنهم الورثة الشرعيون، لا لفكره فقط، بل “لروحه”.

لكن “الروح” ذاتها لم تكن تعرفهم.

أحد أحفاده، وكان اسمه عبد اللطيف، جلس يومًا يروي لتلاميذه في المسجد:

“لقد أخبرنا جدّنا أنه لا يقاتل إلا المشرك، ولا يكره إلا المبتدع، ولا يبتغي إلا وجه الله.”

فقال أحدهم بحماسة:

“وهل نكفّر اليوم من خالف دولتنا؟”

فأجابه:

“نكفّر من خالف الله، لا من خالف الأمير.”

لكن صوته ضاع في ضجيج “المطاوعة” في الشوارع، الذين صاروا يجلدون الناس باسم الشيخ، ويفرضون الغرامات باسم “الفتاوى النجدية”، ويُحرّمون المصابيح في القبور، ويطاردون النساء في الأسواق، ويمنعون كتب التاريخ، ويقفلون مكتبات التصوف، ويغلقون نوافذ الأسئلة.

في إحدى ليالي الشتاء، روى أحد الرحالة الذين زاروا الدرعية حديثًا عجيبًا:

“جئت أبحث عن بلاد الدين، فوجدت بلاد الخوف.

جئت أتعلم القرآن، فوجدت القتل يُشرّع به.

جئت أرى ورثة شيخ، فوجدت عبيد ظلّه.”

ومع بداية القرن التاسع عشر، واشتداد حملات محمد علي باشا، انهار حلم الدولة الأولى.

سقطت الدرعية، وأُحرق بيت الشيخ، وتبعثرت كتبه، وسُبيت بعض أسر رجاله، وفرّ بعضهم إلى أطراف الصحراء.

عند هذا المنعطف، بدأت “الأسطورة” تأخذ شكلها المكتمل:

الشيخ لم يمت، بل هُرّب.

الشيخ لم يفنَ، بل غاب ليعود.

الشيخ لم يُحرَق بيته، بل تنقّلت بركته إلى صحراء أخرى.

هكذا قيل، وهكذا اعتُقِد، رغم أن الحقائق كانت تقول: مات في الحمّامات، وحيدًا، حافيًا، يتقلب على طين ساخن، بلا سند ولا ماء، بعد أن فرّ منه أبناؤه لحظة احتدام المرض، خشية أن يُتهموا بخدمته.

وبينما كانت بنادق محمد علي تنهي آخر رمق في الحجاز، بدأ كثير من النجديين يستفيقون من سكر الخطاب، ويطرحون الأسئلة الممنوعة:

“هل دعوة الشيخ كانت دينًا خالصًا؟ أم كانت مشروعًا سياسيًا مغطى بآيات؟”

“هل كان الشيخ نبيًا ليُتبع بلا مراجعة؟ أم مجرد فقيه أخطأ وأصاب؟”

“هل نحن أمة محمد بن عبدالله؟ أم أمة محمد بن عبدالوهاب؟”

في أطراف الأحساء، كتب أحدهم رسالة ودفنها في قبر جده، بعد أن عجز عن إرسالها لأحد:

ـ “يا جدي، لم نعد نعرف مَن نعبد.

صارت التلاوة مهنة، والقتل فتوى، والبراءة تهمة.

كل شيء صار باسم الدين، والدين لم يبقَ منه شيء.

الشيخ مات، نعم، لكنه لم يرحل…

بقي معنا، في كتب لا تُقرأ، وفوق منابر لا تُناقَش، وبين جدران لا يُسمح لها بالتنفس.

فمتى نموت نحن؟”

وتروي امرأة من بادية العارض أن جدتها أخبرتها ذات مساء، وهي تقلب بعض حبات الرمل:

“كان محمد بن عبدالوهاب رجلًا قويًا، لكنه لم يكن يُجيد البكاء.

ولهذا، صار أتباعه لا يعرفون كيف يرحمون.

وكان يُحب النخل، لكنهم أحبوا السيف.

وكان يُجادل، لكنهم أفتوا.

وكان يُحذّر، لكنهم صرخوا.

ولهذا خسرنا البلاد، وبقيت لنا النار.”

نهاية هذا الفصل لم تكن في الكتب، بل في وجدان الناس الذين لم يعودوا يثقون في الفتاوى ولا في الألقاب.

عرفوا أن الدين لا يُختصر في رجل، ولا تُبنى العقيدة من مقصلة، ولا تُقام الدولة على جسد الميت.

عرفوا أن الشيخ… إن كان قد أحيا التوحيد، فقد أكله أبناؤه.

وإن كان قد مات على طهارة، فقد نُقضت تلك الطهارة بالدم.

عرفوا أن “النشيد الأخير”… لا يُغنّى إلا فوق الأطلال.