نعمة الغذاء
9 يونيو، 2026
منبر الدعاة

بقلم / الدكتور : ابوبكر الجندى
امام بوزارة الاوقاف
تعد جلسة الطعام جلسة استشفاء ودواء لا مجرد أكل وغذاء، حينما يتفكر الطاعم في طعامه، ويستشعر نعمة الله عليه، كما قال الله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}[عبس: 24].
وهذا الاستشعار يجمع للإنسان بين لذتين ويجعله يتقلب بين متعتين: متعة تذوق اللسان، ومتعة تذوق القلب، هذه المتعة التي كان يستشعرها النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول إذا أكل أو شرب: “الحمد لله الذي أطعم، وسقى وسوغه وجعل له مخرجا”.
هذا الحمد الذي يجلب رضا الله عز وجل ومغفرته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها”، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أكل طعاما، فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ، غفر له ما تقدم من ذنبه”.
والخليل إبراهيم عليه السلام حين يُعَرف الناسَ بربه يقول وهو يستشعر فضل الله عليه: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}[الشعراء: 78، 79]
فهو وحده تعالى الذي يُطعم ولا يَطعم ويُسقِي ولا يُسقَى، وكثيرًا ما يذكرنا القرآن الكريم بهذه النعم فيقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[النحل: 14]، وقال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}[النحل: 5]
ومن شكر الله تعالى على نعمتي الطعام والشراب ما يلي:
ـ البعد عن الطعام والشراب المحرم، كما قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[البقرة: 172].
ـ اجتناب الإسراف والتبذير، فقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف: 31]، وهذا باختصار النظام الغذائي في القرآن الكريم، كُلْ ما شئت واشرب ما شئت من الطيبات والبس ما شئت من غير إسراف ولا مخيلة.
ـ إطعام الطعام للفقراء والمساكين خاصة مما يحبه الإنسان، فقد قال الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}[آل عمران: 92]، فإطعام الطعام للفقراء يورث طعم الإيمان وحلاوته، حتى مدح الله تعالى الأبرار بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}[الإنسان: 5 – 9].
ـ عدم تحريم ما أحل الله على الناس، وقد استنكر القرآن الكريم ذلك فقال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}[الأعراف: 32]، أو يحرم الإنسان طيبًا على نفسه، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التحريم: 1]، ولما قال بعض الناس أما أنا فأصوم ولا أفطر فقال صلى الله عليه وسلم: “لَكِنِّي أصُومُ وَأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”.
فمن شكر الله تعالى الاستمتاع بالنعمة وطلب كمالها لا مجرد أصلها، كما قال أبو وأبو الحسن لبعض تلاميذه الذي منع نفسه الماء البارد, فقال له أبو الحسن: اشرب الماءَ الباردَ فإنك إن شربته بارداً فحمدت الله انتزعت الحمد من أعماق قلبك!