خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ: ((القَلَقُ سُمٌّ قَاتِلٌ عِبَادَ اللَّهِ)) للدكتور: محمد حرز
19 أبريل، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ: ((القَلَقُ سُمٌّ قَاتِلٌ عِبَادَ اللَّهِ))
للدكتور: محمد حرز
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الطُّمَأْنِينَةَ وَالاسْـتِقْرَارَ النَّفْسِيَّ ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرَاتِ ذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ، وَجَعَلَ الْوَسَاوِسَ وَالْقَلَقَ وَالاضْطِرابَ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وَحَادَ عَنْ دَرْبِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عَاشَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَتَابِعِيهِمْ دَائِمًا أَبَدًا.
أَمَّا بَعْدُ …..فَأَوْصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 102)
عِبَادَ اللَّهِ: ((القَلَقُ سُمٌّ قَاتِلٌ عِبَادَ اللَّهِ)) عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
-
أَوَّلًا: القَلَقُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَلَقُ؟
-
ثَانِيًا: عِلاجُ القَلَقِ!!!
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: دَعِ القَلَقَ وَلِيَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ القَلَقِ سُمٌّ قَاتِلٌ، خَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا زَادَتْ فِيهِ حِدَّةُ القَلَقِ بِصُورَةٍ مُفْزِعَةٍ، خَاصَّةً فِي ظِلِّ الأَزَمَاتِ وَالنَّكَبَاتِ وَالْحُرُوبِ وَالْغَلَاءِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الْعَالَمُ الْيَوْمَ؛ يَعِيشُ النَّاسُ حَالَةً مِنَ القَلَقِ وَالْهَلَعِ وَالْخَوْفِ، قَلِقُونَ عَلَى حَيَاتِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ، وَ خَاصَّةً وَتُفِيدُ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ أَنَّ مَرَضَ الْقَلَقِ هُوَ أَكْثَرُ الأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ الشَّائِعَةِ فِي بُلْدَانِ الْعَالَمِ، حَيْثُ إِنَّهُ يُصِيبُ شَخْصًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَشْخَاصٍ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَخَاوِفَ تَنْتَابُ الإِنْسَانَ مِنْ أَشْيَاءَ مَجْهُولَةٍ، يَتَوَقَّعُ حُصُولَهَا فِي الْمُسْـتَقْبَلِ، تَجْعَلُهُ يَعِيشُ تَحْتَ تَأْثِيرِ أَفْكَارٍ مُقْلِقَةٍ وَوَسَاوِسَ قَهْرِيَّةٍ لا يَسْـتَطِيعُ عَنْهَا انْفِكَاكًا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً عَصْرُنَا الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ عَصْرُ الِاضْطِرَابِ وَالْقَلَقِ النَّفْسِيِّ، لَا عَصْرُ الرَّاحَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ، الْكُلُّ فِي اضْطِرَابٍ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، الْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ فِي اضْطِرَابٍ، الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي اضْطِرَابٍ، السَّلِيمُ وَالْمَرِيضُ فِي اضْطِرَابٍ، الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ فِي اضْطِرَابٍ.مُجْتَمَعٌ سَادَ فِيهِ الِاضْطِرَابُ وَالْقَلَقُ وَالْفَوْضَى، لَا يَعْرِفُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ مَاذَا يُرِيدُ، تَرَاهُ شَارِدَ الْفِكْرِ وَالْبَالِ، يُرِيدُ الرَّاحَةَ وَلَا يَجِدُهَا، يُرِيدُ الِاطْمِئْنَانَ وَلَا يَجِدُهُ، يُرِيدُ السَّكَنَ وَلَا يَجِدُهُ، بَحَثَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَالِ فَلَمْ يَجِدْهُ، بَحَثَ عَنْهُ فِي الْجَاهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، بَحَثَ عَنْهُ فِي الْعَلَاقَاتِ مَعَ الْجِنْسِ الآخَرِ فَلَمْ يَجِدْهُ، بَحَثَ عَنْهُ فِي الْغِنَاءِ وَالطَّرَبِ وَاللَّيَالِي الْحَمْرَاءِ فَلَمْ يَجِدْهُ، بَحَثَ عَنْهُ فِي شُرْبِ الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُخَدِّرَاتِ فَلَمْ يَجِدْهُ. مَسَاكِينٌ أَهْلُ هَذَا الْعَصْرِ، انقَلَبَت عندهمُ المعايِير، واضطرَبَت لديهمُ المقايِيس، وذهبَتِ الفضائِل، وضاعَتِ القِيَم.
يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ *** أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيهِ خُسْرَانُ
أَقْبِلْ عَلَى الرُّوحِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ***فَأَنْتَ بِالرُّوحِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ
-
أَوَّلًا: القَلَقُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَلَقُ؟
أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخْيَارُ: اعْـلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ الْخَالِقَ جَلَّ فِي عُلاهُ أَرَادَ أَنْ يَعِيشَ الإنْسَانُ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ عِيشَةَ الآمِنِ الْمُطْمَئِنِّ، لِيَعْمُرَ هَذِهِ الْحَيَاةَ بِاسْتِقَامَةٍ وَسَعَادَةٍ وَنِظَامٍ، بَعِيدًا عَنْ جَمِيعِ أَشْكَالِ الْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ وَالاضْطِرَابِ، الَّتِي لا يُمْكِنُ أَنْ تَسِيرَ مَعَهَا الْحَيَاةُ سَيْرَهَا الطَّبِيعِيَّ، وَإِنَّمَا تَتَحَوَّلُ بِهَا إِلَى جَحِيمٍ لا يُطَاقُ، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ، حَيَاةِ الأَمْنِ وَالاطْمِئْنانِ، وَحَيَاةِ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل ـ 12)، فَمُرَادُ اللهِ مِنْ أَهْـلِ الْقُرَى أَنْ يَعِيشُوا عِيشَةَ الشُّكْرِ وَالإِيمَانِ لِتَسْـتَقِيمَ لَهُمُ الحَيَاةُ، لا عِيشَةَ الكُفْرِ وَالنُّكْرَانِ الَّتِي تُورِثُ الْقَلَقَ وَالْخُسْرانَ, وَالنَّوْمُ وَرَاحَةُ الْبَالِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ قِيمَتَهَا إِلَّا إِذَا فَقَدُوهَا، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الأَرَقُ وَدَبَّ فِيهِمِ الْقَلَقُ، عَرَفُوا مَعْنَى تِلْكَ النِّعْمَةِ.وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ ﴿الرُّوم: 23﴾، فَاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ فِي هَذَا الْمَنَامِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا لَنَا. وَأَهَمُّ مَصَادِرِ الْقَلَقِ أَرْبَعَةٌ: الْخَوْفُ عَلَى الْحَيَاةِ، وَالْخَوْفُ عَلَى الرِّزْقِ، وَالْخَوْفُ مِنْ حُصُولِ الْمَكْرُوهِ، أَوْ فَوَاتِ شَيْءٍ مَحْبُوبٍ.
القَلَقُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَلَقُ؟
نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَغَيَّرَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ، فَانْفَتَحَ الْعَالَمُ فِيهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَزَادَتْ فِيهِ الْمَسْؤُولِيَّاتُ الْمُلْقَاةُ عَلَى عَاتِقِ الْفَرْدِ، وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ مُتَطَلَّبَاتُ الْحَيَاةِ، فَازْدَادَ تَفْكِيرُ الإِنْسَانِ وَقَلَقُهُ، كَمَا تَعَاظَمَ خَوْفُهُ مِنَ الْمُسْـتَقْبَلِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ، مِمَّا جَعَلَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقَعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَحْتَ تَأْثِيرِ أَلْوَانٍ مِنَ الْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ وَالاضْطِرَابِ النَّفْسِيِّ، فَالْقَلَقُ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ، وَوَبَاءٌ خُلُقِيٌّ كَبِيرٌ، مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِهَلَاكِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا، فَهُوَ مَصْدَرٌ لِكُلِّ عَدَاءٍ، وَيَنْبُوعُ كُلِّ شَرٍّ وَتَعَاسَةٍ، وَالْقَلَقُ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ الإِنْسَانِ، مَدْخَلٌ كَبِيرٌ لِلشَّيْطَانِ، مُدَمِّرٌ لِلْقَلْبِ وَالأَرْكَانِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الأَحِبَّةِ وَالإِخْوَةِ، يَحْرِمُ صَاحِبَهُ الأَمْنَ وَالأَمَانَ، وَيُدْخِلُهُ النِّيرَانَ، وَيُبْعِدُهُ عَنِ الْجِنَانِ، فَالْبُعْدُ عَنْهُ خَيْرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
القَلَقُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَلَقُ؟
القَلَقُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ حَالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تُسَيْطِرُ عَلَى الإِنْسَانِ عِنْدَمَا يَتَغَلَّبُ الْخَوْفُ عَلَى أَفْكَارِهِ وَيُؤَثِّرُ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ، خَاصَّةً عِنْدَمَا تُصْبِحُ هَذِهِ الْمَخَاوِفُ مُبَالَغًا فِيهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الإِنْسَانَ مَفْطُورٌ عَلَى الْخَوْفِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج: 19 – 21]، وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ خَوْفَ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ خَوْفُ مُوسَى وَهَارُونَ – عَلَيْهِمَا السَّلَامُ – مِنْ مُوَاجَهَةِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾ [طه: 45]، وَجَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخَافُ مِنْ قَتْلِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾ [الشعراء: 14].
وكَيْفَ لا؟
وَلَقَدْ كَانَتْ توجِيهاتُ الإسلامِ لِلْإِنْسانِ أَن يَعِيشَ يَوْمَهُ، وَيَقُومَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِباتٍ وَتَكالِيفٍ؛ قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّما حُيزَتْ لَهُ الدُّنْيا»؛ [رواه البخاري في الأدب المفرد، رقم: 300]، وَالمَعْنَى: فَكَأَنَّما أُعطِيَ الدُّنْيا بِأسرِها؛ [تحفة الأحوذي (7/11)].
سُئِلَ حاتمُ الأصمِّ: «عَلَّامَ بَنَيتَ أمرك؟» أَي: كَيْفَ بَنَيْتَ حَياتَك وَمَا سَبَبُ سَعَادَتِك وَاطمِئْنانِك؟ قَالَ: «عَلَى أَرْبَعِ خِصالٍ: عَلِمتُ أَنَّ رِزْقِي لا يَأكله غَيْرِي فاطمأنتُ بِهِ نَفْسِي، وَعَلِمتُ أَنَّ عَمَلِي لا يَقُومُ بِهِ غَيْرِي فَأَنَا مَشْغولٌ بِهِ، وَعَلِمتُ أَنَّ المَوْتَ يَأتِينِي بَغْتَةً فَأَنَا أُبادِرُهُ، وَعَلِمتُ أَنِّي لا أَخْلُو مِنْ عَيْنِ اللهِ عزَّ وَجلَّ حَيْثُ كُنتُ، فَأَنَا أَسْتَحِي مِنْهُ».
وَكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ يَقُولُ: «يا بَنَ آدمَ، لا تُحَمِّلْ يَوْمَكَ هَمَّ سَنَةٍ قادِمَة».
القَلَقُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَلَقُ؟
لَقَدِ اعْتَنَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِهَذِهِ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ غَايَةَ الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ مَحَلُّ التَّكْلِيفِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ وَالإِصْلَاحِ، وَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ، وَعَمَرَ قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ، وَهَدَأَتْ سَرِيرَتُهُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَامْتَلَأَ قَلْبُهُ بِالرِّضَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 4].
وَالْقَلَقُ وَالْأَرَقُ وَالْهَلَعُ عِبَادَ اللَّهِ، نَوْعَانِ: قَلَقٌ مَحْمُودٌ وَقَلَقٌ مُذْمُومٌ
وَالقَلَقٌ مَحْمُودٌ : وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ، وَخَشْيَةِ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْعِبَادِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ. فَهَذَا الْقَلَقُ يُسَمَّى قَلَقًا مَحْمُودًا لأَنَّهُ مِنْ صِمِيمِ الإِيمَانِ، وَيُحَفِّزُ الْإِنْسَانَ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْمُحَاسَبَةِ الذَّاتِيَّةِ. فَيَأْرَقُ الْإِنْسَانُ أَوْ يَقْلَقُ خَشْيَةَ أَنْ يَخِلَّ بِوَاجِبٍ ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ!! فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبَسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ))هَذَا حَقُّ اللَّهِ، وَقَدْ يَقْلَقُ الْمُسْلِمُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي أَمْرٍ لَا يَجُوزُ لَهُ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ تَحْتَ جَنْبِهِ تَمْرَةً فَأَكَلَهَا فَلَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ بَعْضُ نِسَائِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرِقْتَ الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَحْتَ جَنْبِي تَمْرَةً وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ.هَذَا الْقَلَقُ الشَّرْعِيُّ الْمَحْمُودُ الَّذِي يَعْتَلِي الْمُؤْمِنَ أَحْيَانًا، وَكَذَلِكَ قَلَقٌ مِنْ تَأْنِيبِ ضَمِيرٍ لِتَقْصِيرٍ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ عِبَادِهِ، وَهَذِهِ الزَّوْجَةُ الْبَارَّةُ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: وَاللَّهِ لَا أَذُوقُ غَمْضًا حَتَّى تَرْضَى.
وَقَدْ تَخَوَّفَ ثَابِتُ بْنُ قَيْس رضى الله عنه لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، فَقَالَ: أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعكُمْ صَوْتًا. فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ.)) هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. والْلَا مُبَالاةُ أَحْيَانًا تَكُونُ مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْمُحَاسَبَةُ وَالْقَلَقُ خَشْيَةَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، قال جل وعلا((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴿المؤمنون: 60﴾ قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: “الْمُؤْمِنُ أَحْسَنُ النَّاسِ عَمَلًا وَأَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا؛ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزْدَادُ صَلَاحًا وَبِرًّا وَعِبَادَةً إِلَّا ازْدَادَ خَوْفًا”. وَالْمُنَافِقُ يَقُولُ: “سَوَادُ النَّاسِ كَثِيرٌ وَسَيَغْفِرُ لِي، وَلَا بَأْسَ عَلَيَّ”، وَيُسِيءُ الْعَمَلَ وَيَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيِ الْأَمَانِيَّ. لذا يَنْبَغِي لِمَنْ لَمْ يَشْفَقْ أَنْ يَخَافَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: 26].
فَهَمُّ الْمُؤْمِنِ دَائِمًا مَرْضَاةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَخْشَى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1].يُوَاصِلُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَهُوَ يَخْشَى: ﴿إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ﴾ فَيَدْخُلُهَا. وَلِذَا فَهُوَ يُرَاقِبُ الْمَصِيرَ، وَيَرْجُو حُسْنَ الْخَاتِمَةِ، وَيُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ. وَقَدْ يُصِيبُ الدَّاعِيَ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْقَلَقِ، نَتِيجَةَ صُدُودِ النَّاسِ، فَلَعَلَّكَ: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: 6]، أَيْ: مَهْلِكُ نَفْسِكَ حُزْنًا عَلَيْهِمْ، فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴿فاطر: 8﴾.
وَحَتَّى مَشَاعِرُ الْأُبُوَّةِ تَكُونُ مُتَأَثِّرَةً بِمَا يُصِيبُ الْأَوْلَادَ، قَالَ ﷺ: ﴿إِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا﴾. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ بِأَمْرِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْقَلَقِ يُخْشَى عَلَى ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضُعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿النساء: 9﴾.
الْخَوْفُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ، هَؤُلَاءِ الْأَوْلَادُ صِغَارٌ، أَبُوهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، هَلْ سَيَأْكُلُ أَحَدُهُمْ حَقَّهُمْ مِنْ بَعْدِهِ؟ كَيْفَ سَيَعِيشُونَ؟
وَالْقَلَقُ عَلَى الدِّينِ دُخُولاً غَارًّا لَا يُسْكِنُهُ لَابِثٌ، فَاسْتَوْحَشَ الصَّدِيقُ مِنْ خَوْفِ الْحَوَادِثِ، [وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنْ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرْنَا] فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: “مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ، اللَّهُ ثَالِثُهُمَا!” فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ الْقَلَقُ بِشَأْنِ الرَّعِيَّةِ، قَالَ عُمَرُ رضى اللهن عنه قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ: “لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لَأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا”. هَذَا مِنْ أَجْلِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ الْإِيمَانُ وَتَنْزِلُ الطُّمَأْنِينَةُ وَالسَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ عَلَى مِثْلِ أُولَئِكَ، وَلِذَلِكَ صَارَ النُّعَاسُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ النِّفَاقِ، وَالنُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ مِنَ الْإِيمَانِ، إِذْ: ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: 11]. وَنَامَ الصَّحَابَةُ فِي رَاحَةٍ مُهِمَّةٍ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَكَانَتْ ذَقَنُ أَحَدِهِمْ تَسْقُطُ فِي صَدْرِهِ، وَأَلْقَى اللَّهُ النَّوْمَ عَلَى أَهْلِ الْكَهْفِ، لَمَّا خَرَجُوا قَلِقِينَ مِنْ أَجْلِ الْفِرَارِ بِدِينِهِمْ، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ ﴿الكهف: 11﴾. وَهَكَذَا يَسَكِّنُ اللَّهُ تَعَالَى قُلُوبَ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، الَّذِينَ يَقْلَقُونَ مِنْ أَجْلِ دِينِهِ، وَمِنْ أَجْلِ عِبَادَتِهِ.
وَالقَلَقٌ مُذْمُومٌ: وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، أَوْ مَبَالَغَةٍ فِي الْخَوْفِ مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْمَالِ وَالْمَظْهَرِ وَالْمَكَانَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، أَوْ التَّعَلُّقِ الْمُفْرَطِ بِالْمَلَذَّاتِ. فَهَذَا الْقَلَقُ يُؤَدِّي إِلَى التَّوَتُّرِ النَّفْسِيِّ، وَيُضَعِفُ الْقَلْبَ وَالرُّوحَ، وَيُعَرِّضُ الْإِنْسَانَ لِلضَّيَاعِ فِي الْحَيَاةِ دُونَ فَائِدَةٍ.وَالقَلَقٌ مُذْمُومٌ هُوَ الَّذِي أَبْعَدَ أَهْـلَ قُرَيْـشٍ عَنِ الإِيمَانِ هُوَ خَوْفُهُمُ المَوْهُومُ مِنْ مُسْـتَقْبَلِ مَكَانَتِهِمْ:)وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ( (القصص ـ 57)
لِعُمْرِكَ مَا ضَاقَتْ بِلَادٌ بِأَهْلِهَا**** وَلَكِنَّ أَخْلَاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ.
-
ثَانِيًا: عِلاجُ القَلَقِ!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخْيَارُ: القلَقُ داءٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّهُ داءٌ، لِأَنَّ مَا مِنْ دَاءٍ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ إِلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ، إِلَّا الْمَوْتَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا الْهَرَمَ لِحَدِيثِ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ الْهَرَمِ».وَعِلَاجُ الْقَلَقِ كَثِيرٌ وَعَدِيدٌ، وَمِنْهُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ وَلَا الْحَصْرِ: حُسْنُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَاليَقِينُ بِأَنَّ الْمَرءَ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ؛ قالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51]
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: ((يَا غُلَامُ، إِنِّي أَعْلِمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يُنْفِعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يُنْفِعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمِنْ عِلَاجِ الْقَلَقِ: الإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ، فَبِهَذَا الإِحْسَانِ يَدْفَعُ اللهُ عَنِ الْمُحْسِنِ الْهَمَّ وَالْغَمَّ، وَلِلْمُؤْمِنِ مِنْهُ أَكْمَلُ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ قالَ تَعَالَى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النِّسَاء: 114].
وَمِنْ عِلَاجِ الْقَلَقِ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد ـ 28) فَمَا دَامَ الْمُؤْمِنُ مُتَوَاصِلاً مَعَ اللهِ تَعَالَى بِذِكْرِهِ، كَانَ آمِنًا مِنَ الْوَسَاوِسِ، مَمْـلُوءًا قَلْبُهُ بِأَنْوَارِ الأَذْكَارِ، مُطْمَئِنًّا بِذِكْرِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، بَعِيدًا عَنِ الْقَلَقِ، أَمَّا إِذَا أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ، وَلا شَكَّ، سَيَكُونُ قَلْبُهُ مَرْتَعًا خِصْـبًا لِلْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ، وَتَتَنَكَّدُ عَلَيهِ بِذَلِكَ حَيَاتُهُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ..)، فَالْمُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ سَهْـلٌ عَلَى الشَّيْطَانِ الوُلُوجَ إِلَى قَلْبِهِ، فَيُسَيْطِرُ عَلَيْهِ بِالْوَسَاوِسِ الْمُهْـلِكَةِ وَالأَفْكَارِ السَّـيِّئَةِ، (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف ـ 36)، فَيَبْدَأُ الْمُوَسْوِسُ اللَّعِينُ بِتَسْبِيبِ الْقَلَقِ فِي رُوْعِ الإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَ قَلَقُهُ مِنْ تَأَثُّرِ الاقْتِصَادِ، فَيَلِجُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَخَوِّفًا لَهُ مِنَ الْفَقْرِ ثُمَّ آمِرًا لَهُ بِالْوُقُوعِ فِي الْمُخَالَفَاتِ إِمَّا بِدَعْوَى التَّخْفِيفِ عَنِ النَّفْسِ مِنَ الْقَلَقِ وَالْمَخَاوِفِ، وَذَلِكَ بِالانْغِمَاسِ فِي الْفَوَاحِشِ بِشَتَّى أَنْوَاعِهَا، وَإِمّا بِالْوُقُوعِ فِي الْمُخَالَفَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ سَرِقَةٍ أَوِ احْـتِيَالٍ أَوْ غِشٍّ؛ لِحِمَايَةِ مُسْـتَوَاهُ الاقْتِصَادِيِّ مِمَّا عَسَاهُ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْمُسْـتَقْبَلِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَا نَفْهَمُهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ..) (البقرة ـ 268)، ذَلِكَ حَالُ الشَّيْطَانِ يَدْعُو دَائِمًا إِلَى التَّشَاؤُمِ، فَيَعِدُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُ بِالْوُقُوعِ فِي الْفَوَاحِشِ وَالْمُخَالَفَاتِ، وَأَمَّا اللهُ الْخَالِقُ فَإِنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى التَّفَاؤُلِ فَيَقُولُ:(.. وَاللَّـهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة ـ 268). فَإِنْ أُصِيبَ بِمَرَضٍ خَطِيرًا، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْآجَالَ بِيَدِ اللهِ، وَأَنَّ وَقْتَ مَوْتِ ابْنِ آدَمَ مُحْسُومٌ لا يُؤَخَّرُ، ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾، فَلَا يُشْغِلْ نَفْسَهُ بِالْمَوْتِ، فَالْآجَالُ مَضْرُوبَةٌ، فَيَمُوتُ الْمَرِيضُ وَالصَّحِيحُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَلْنَعْمَلْ بِوَصِيَّةِ اللهِ لَنَا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، فَلْتَسْتَعِدْ لِلْمَوْتِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَمِنْ عِلَاجِ الْقَلَقِ: الاِلْتِجَاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْضَارُ مَعِيَّتِهِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَالتَّعَلُّقُ بِهِ وَدُعَاؤُهُ طَرِيقٌ تَفْرِيجِ الْهُمُومِ، وَسَبِيلٌ تَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، وَوَسِيلَةٌ إِبْعَادِ الْقَلَقِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطِّلَاقِ: 3]،وَمِنْ عِلَاجِ الْقَلَقِ وَالتَّوَتُّرِ وَالاضْطِرَابِ وَالْهَلَعِ، عِبَادَ اللهِ، قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُس: 57]، وَيَقُولُ -جَلَّ فِي عُلُوهِ-: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإِسْرَاء: 82]، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فُصِّلَت: 44].
فَمِنْ أَنْجَعِ الْعِلَاجِ لِلْقَلَقِ الصَّلَاةُ، فَالصَّلَاةُ عِلَاجٌ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ، فَإِذَا شَعَرْتَ بِضِيقٍ تَوَضَّأ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَسَيَزُولُ عَنْكَ مَا تَجِدُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا وَقُدْوَتُنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ وَأَغْمَهُ شَيْءٌ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ يَقُولُ: “أَرْحِنَا بِهَا يَا بِلَالُ”، وَيَنْبَغِي أَنْ تُصَلِّي أَنْتَ حَاضِرُ الْقَلْبِ، مُسْتَشْعِرًا لِعَظَمَةِ مَنْ تُنَاجِيهِ وَتُنَادِيهِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62]، وَتَفَكَّرْ وَتَدَبَّرْ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَقْرَؤُهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21].
وَمِنْ عِلَاجِ الْقَلَقِ: الإِكْثَارُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَنْ الطُّفَيْلِ بْنِ أَبِي بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا اللهَ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ»، قُلْتُ: الرُّبْعَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ»، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ»، قُلْتُ: الثُّلُثَيْنِ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ»، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: «إِذًا؛ تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ»؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا.
وَإِذَا أَتَتْكَ جُيُوشُ الْهَمِّ غَازِيَةً *******فَبِالصَّلَاةِ عَلَى الْمُخْتَارِ تَنْهَزِمُ
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ..الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى… أَمَّا بَعْدُ
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: دَعِ القَلَقَ وَلِيَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخْيَارُ: وَدَعْ قَلَقَكَ وَاطْمَئِنَّ، وَلَا تُفْسِدْ سَعَادَتَكَ بِالْقَلَقِ، وَلَا عَقْلَكَ بِالتَّشَاؤُمِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُؤْمِنٌ بِأَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]. سُئِلَ عَلْقَمَةُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيُسْلِمُ لِذَلِكَ وَيَرْضَى؛ قَالَ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ”، يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي” عِبَادَ اللهِ، رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُبْتَلِي عِبَادَهُ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالسَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَنْظُرُ مَاذَا يَفْعَلُونَ؟ وَكَيْفَ يَعْمَلُونَ؟ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُقَلِّبُ الْأَحْوَالَ عَلَى عِبَادِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحْمَن: 29] عَزَّ وَجَلَّ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى الْعَبْدِ إِذَا صَارَ فِي حَالِ الْاِضْطِرَابِ، وَالْأَمْرِ الْمُرِيجِ أَنْ يَفْزَعَ إِلَى رَبِّهِ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: 67]، وَهَكَذَا فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانُ يَطْغَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [الْعَلَق: 6-7]؛ فَإِذَا اغْتَنَى لَمْ يَلْجَأْ إِلَى اللَّهِ: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فُصِّلَت: 51]. وَثِقْ أَنَّ الْمِحَنَ تَتَحَوَّلُ إِلَى نِعَمٍ وَمَنَحٍ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:155ـ157]، فَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَقُلْتَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ اُؤْجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْهَا وَجَبَرَ مُصِيبَتَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَكُنْ مَعَ اللَّهِ يَكُنْ مَعَكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَأَحْسِنِ الظَّنَّ بِهِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَأَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَثِقْ فَلَا تَبْتَئِسْ وَلَا تَحْزَنْ، وَلَا تَخَفْ وَلَا تَقْلَقْ؛ فَمُدَبِّرُ الْكَوْنِ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ سُبْحَانَهُ.
سَهِرَتْ أَعْيُنٌ وَنَامَتْ عُيُونُ*****فِي شُؤُونٍ تَكُونُ أَوْ لَا تَكُونُ
إِنَّ رَبًّا كَفَاكَ بِالْأَمْسِ مَا كَانَ*****سَيَكْفِيكَ فِي غَدٍ مَا يَكُونُ
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.