«المنبر لم يعد مكانًا… بل فضاءً عالميًا»
17 أبريل، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ : أحمد السيد شقرة الحسيني، الأزهري الشافعي الصديقي
نصيحةٌ مخلصةٌ إلى أبناء الأزهر الشريف، ووعَّاظه، وعلمائه، وأئمة وزارة الأوقاف المصرية: لم تعد المنابر اليوم خشبًا يُعتلى، ولا درجاتٍ تُشدُّ إليها الرِّحال فحسب، بل غدت في جيوب الناس، وعلى شاشات هواتفهم، وفي منصَّاتٍ تُصاغ فيها العقول، وتُزرع فيها القناعات قبل أن تُلقى فيها الخطب.
إن الساحة اليوم ليست خالية… بل ممتلئة، ولكنها —مع الأسف— مزدحمة، ولكن بغير أهلها؛
ممتلئة بأصوات الملاحدة
وبضجيج المتسلفين الوهابية
وبكل من تجرَّأ على دين الله بغير علم، فصار يتكلم في الحلال والحرام، ويُفتي في الدماء والأعراض، ويُلبِّس على الناس دينهم، ويِزيِّن لهم الباطل في ثوب الحق.
وهنا يبرز السؤال الصريح الذي لا يجوز الفرار منه:
أين أنتم يا حملة العلم؟ وأين أنتم يا ورثة الأنبياء؟
لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، فجعل الدعوة إلى الله أشرف المقامات، وأعلاها منزلة.
وقال جل وعزَّ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، وهذا أمرٌ لا يقف عند حدود المسجد، بل يمتد إلى كلِّ موضعٍ وُجد فيه الإنسان، وكل ساحةٍ تُبث فيها الأفكار، وقد قال سيدنا النبي ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»، فأطلق البلاغ، ولم يُقيِّده بزمن ولا بمكان، بل أطلقه ليشمل كل وسيلةٍ تُبلغ بها الحجة، وتُقام بها الدعوة؛ فيبقى متجددًا في كل عصر، ومواكبًا لكل جديد، ومستغلًا لكل مُستحدث.
وإن ترك الساحة لغير أهلها تفريطٌ عظيم، يُسأل عنه القادرون على البيان؛ فإن الباطل —كما قال أهل البصيرة— لا ينتشر لقوته، ولكن لغياب من يدفعه.
نعم، إن الباطل لا يقوى بذاته، وإنما بغياب من يُزاحمه بالحق.
يا أبناء الأزهر:
أنتم لستم دعاة عاديين، بل أنتم حملة ميراثٍ ممتدٍّ، وسلسلة نورٍ متصلة، حُملت على عاتقها أمانةُ صيانة الدين، وحفظ العقيدة، وجمع كلمة الأمة. والناس اليوم عطشى… عطشى إلى كلمةٍ صادقة، وعلمٍ رصين، ومنهجٍ وسطيٍ رحيم، يردُّ الشبهة بلا تهور، ويهدم الغلو بلا جفاء، ويبني ولا يهدم، ويجمع ولا يُفرِّق.
فلا تتركوا هذه المنصات لغيركم، ولا تقولوا: “هذا ليس ميداننا”؛ بل هو —والله—ميدانكم الذي فُتح لكم، وأُغلق في وجوه غيركم.
اجعلوا لكل واحدٍ منكم سهمًا لا يتخلَّف: كلمةٌ يومية، مقطعٌ هادف، ردٌّ على شبهة، بيانٌ لحكم، تصحيحٌ لمفهوم… فربَّ كلمةٍ خرجت من هاتفٍ صغير، أحيت قلبًا، أو ردَّت شبهة، أو منعت فتنة.
وتذكَّروا قول سيدنا النبي ﷺ: «من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله» فكم من خيرٍ يمكن أن يُنشر، وكم من ضلالٍ يمكن أن يُدفع، لو تحركت الهمم!
يا أبناء الأزهر، نحن في عصر لا تُصاغ فيه العقول بـ “التلقِّي” وحده، بل عبر “التمرير السريع للمحتوى” حيث تخترقها الأفكار، وتمحو ما قبلها، وتُعيد تشكيلها من جديد في غفلةٍ من أهل الحق.
فإمَّا أن نكون حاضرين… أو نترك الناس نهبًا لكل ناعق!
فانهضوا —رحمكم الله— إلى هذا الواجب؛ فإن منصَّات السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي منبر، وإن الكلمة أمانة، والتأخُّر تقصير، والسكوت —في مثل هذا المقام— خذلان.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.