الدين للجميع والعلم لأهله


بقلم د. ميرنا يونس

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ :

فلم تُبتلَ هذه الأمة بداء أفتك من الجهل والتسرع، حتى تسلّل إلى الألسنة قول مُغرِقٌ في الغرور: “هم رجالٌ ونحن رجال، ونأخذ من حيث أخذوا!”
وهل يُعقل أن تُسوّى أقدارنا بأقدار رجال أفنوا أعمارهم، وبذلوا مهجهم، في حفظ الشريعة، وتمحيص السنة، واستنباط دقائق الفقه قبل جليّه؟!

منّا من هو كـالنعمان بن ثابت؟
منّا من يُداني مالك بن أنس؟
من يبلغ شأو محمد بن إدريس؟
من يُشبه أحمد بن محمد بن حنبل، إمام السنة وثابتَها؟

من منا كالبخاري ومسلم، وقد طوّفا الآفاق شرقًا وغربًا، يطلبان حديثًا واحدًا، يفتّشان عن سنده، ويزنون متنه؟
منّا من هو كعبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري، العالم العامل القدوة الحجة الفهامة حامل لواء مذهبه؟

منّا من هو كالنووي، يهذب السنة شرحًا، ويخدمها فقهًا، ويُحييها علمًا؟ …
وغيرهم كثير، لا يُحصى من علماء هذه الأمة، ممّن حملوا الأمانة فأدّوها حقَّ أداء…

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}
والذِّكرُ كتاب وسنة، حُفِظا برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا جسورًا نعبر بها إلى الفهم الصحيح، لا عوائق نتجاوزها بادّعاء أجوف..

نعم، الدين حجة على الرجال، لا أن الرجال حجة على الدين؛
ولكن أيَّ رجال يُراد بهذا القول؟!
أولئك الأئمةُ الذين كانوا مفاتيح الفهم، ومصابيح الهدى، هم الطريق إلى الدين، لا عائقٌ دونه…

فإن لم يكونوا هم الأدلاء، فمن يكون؟! نحن؟!
بأيّ عُدّة تزعم أنك تأخذ من حيث أخذوا؟
ما نصيبك من القرآن حفظًا وتدبرًا؟
ما علمك بأسباب النزول؟
ما العام والخاص؟
ما المطلق منها والمقيد؟
ما حظّك من أصول الفقه؟
ما رصيدك من لسان العرب؟

سبحان الله!
أسأل عن اللغة، وهي مفتاح الشريعة، فأجد من لا يُحسن كتابة تعليق بلا خطأ، ولا يقيم لسانًا بإعراب، فكيف يدعي بلوغ مرتبة من استخرج الأحكام من بطون النصوص، واستنطاق دقائقها؟!

إنها دعوى كبيرة، لا ينهض بها إلا من حمل من العلم ما يحمل،
وأدرك قدر نفسه، فوقف عند حدّه، وعرف أن طريق الأئمة يُسلك، لا يُدّعى…

فهناك مسائل محل اتفاق بين الجميع، لا يسوغ الاختلاف فيها، كالمسائل التي تتعلق بأصول الإيمان وأصول العقيدة،

وهناك مسائل آخرى محل خلاف، وهي الفروع المبنية على أدلة ظنية تختلف الأفهام فيها، وقد عدَّ العلماءُ الاختلافَ في مسائل الفقه اختلافَ رحمة لا اختلاف نقمة،

قال القاسم بن محمد رحمه الله تعالى : “كان اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ رحمة للناس”

وقال الإمام مالك رضي الله عنه لهارون الرشيد عندما أشار عليه أن يحمل الناس على كتبه:
“يا أمير المؤمنين، إنَّ اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمّة، كلٌّ يتَّبع ما صحَّ عنده، وكلهم على الهُدى، وكلٌّ يريد الله تعالى” ..

وهذا الخلاف ..
– إما أن يكون ناشئًا عن الاختلاف في فهم الدليل، أو تقديم بعض الأدلة على بعض، كالاختلاف الحاصل بين المذاهب الفقهية، وهذا في حقيقته ليس اضطرابًا، بل ثروة فقهية وعلمية ورحمة للأمة، كما نص عليه العلماء، وهذا الاختلاف لم يكن سببًا في الشقاق والنزاع، وإنما كان مظهرًا من مظاهر التنوع المؤدي إلى جمع الشمل ووحدة الصف.

– وإما أن يكون الاختلاف غير مبني على أي دليل، بل هو الناشئ عن الهوى والتشهي، وهذا الاختلاف المذموم سببه التعصب المقيت الذي يؤدي إلى الشقاق والنزاع والتبديع والتفسيق،
وغالبًا ما ينشأ عن ادِّعاء بعض من يتصدَّر للإفتاء، مع فقدانه أدواته من معرفة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، واللغة ونحوها..

فليس كل ما نجهله مُحرم، ولا كل ما خالفنا باطل؛ وإنما الفقه نور، ومن حُرم الفهم تسرّع بالحكم، فليتأنَّ المرء قبل أن يُخطئ غيره، فربما كان النقص في إدراكه لا في الحق نفسه.