
(“قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ” مِيثَاقُ الْوَفَاءِ لِلْيَتِيمِ وَصِيَانَةُ الْمُجْتَمَعِ )
لفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ: 15 شَوَّال ١٤٤٧ هـ – ٣ أَبْرِيل ٢٠٢٦ م
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
eslah lahm kaer
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:
١. قُدْسِيَّةُ الْوَصِيَّةِ بِالْيَتَامَى فِي الْقُرْآنِ وَمَفْهُومُ الْإِصْلَاحِ الشَّامِلِ.
٢. سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْيَتَامَى وَأُسْوَةُ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ.
٣. صُوَرٌ مَشْرُقَةٌ مِنْ حَيَاةِ الصَّحَابَةِ فِي رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ وَتَرْبِيَتِهِمْ.
٤. الخطبة الثانية: التَّحْذِيرُ مِنْ خُطُورَةِ الشَّائِعَاتِ وَأَثَرِهَا عَلَى الْفَرْدِ وَالدَّوْلَةِ.
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي أَوْصَى بِالْيَتَامَى خَيْراً، وَجَعَلَ كَفَالَتَهُمْ سَبِيلاً إِلَى الْجَنَّةِ وَنَصِيراً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْخَلْقِ (عَزَّ وَجَلَّ)، الْقَائِلُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: ٢٢٠]. وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، نَشَأَ يَتِيماً فَآوَاهُ اللَّهُ، وَمَسَحَ عَلَى رُؤُوسِ الْيَتَامَى فَطَابَتْ دُنْياهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَصْحَابِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) حُمَاةِ الضَّعِيفِ وَأَهْلِ الْجُودِ وَالْفَضْلِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، أَيُّهَا الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ الْأَجِلَّاءُ..
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ كَالْبِنْيَانِ الْمَرْصُوصِ، لَا يَسْتَقِيمُ بِنَاؤُهُ وَلَا يَعْلُو شَأْنُهُ إِلَّا إِذَا تَفَقَّدَ قَوِيُّهُ ضَعِيفَهُ. وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالرَّحْمَةِ هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ فَقَدُوا سَنَدَ الْأَبِ، وَانْكَسَرَتْ فِي نُفُوسِهِمْ غَرِيزَةُ الْأَمَانِ؛ هُمُ الْيَتَامَى فِلَذَاتُ أَكْبَادِنَا. وَإِنَّ مَوْضُوعَنَا الْيَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ مَفْهُومٍ قُرْآنِيٍّ جَلِيلٍ، هُوَ “الْإِصْلَاحُ لِلْيَتِيمِ”، الَّذِي وَجَّهَتْ إِلَيْهِ الشَّرِيعَةُ لِيَكُونَ مَنْهَجَ حَيَاةٍ.
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: قُدْسِيَّةُ الْوَصِيَّةِ بِالْيَتَامَى فِي الْقُرْآنِ وَمَفْهُومُ الْإِصْلَاحِ الشَّامِلِ
لَقَدْ جَاءَتْ شَرِيعَةُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتُحْدِثَ ثَوْرَةً أَخْلَاقِيَّةً فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْيَتِيمِ. تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}. لَقَدْ رَوَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ (عَزَّ وَجَلَّ): {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا}، خَافَ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) خَوْفاً شَدِيداً، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَعْزِلُ طَعَامَ الْيَتِيمِ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعُوا فِي الْإِثْمِ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الرُّخْصَةُ الْكَرِيمَةُ: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}؛ أَيْ أَنَّ خَلْطَ أَمْوَالِكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ لَيْسَ جَرِيمَةً إِذَا كَانَ الْهَدَفُ مَصْلَحَتَهُمْ.
وَفِي هَذَا الْمَقَامِ نَذْكُرُ قِصَّتَيْنِ عَنِ الْعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِالْيَتِيمِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ:
* الْقِصَّةُ الْأُولَى (مِنَ الْقُرْآنِ): قِصَّةُ سَيِّدِنَا مُوسَى وَسَيِّدِنَا الْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، حِينَمَا أَقَامَ سَيِّدُنَا الْخَضِرُ الْجِدَارَ لِيَحْمِيَ كَنْزاً تَحْتَهُ. فَلَمَّا سَأَلَهُ سَيِّدُنَا مُوسَى عَنِ السَّبَبِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يُكْرِمْهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، قَالَ: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}. هَكَذَا يُسَخِّرُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) نَبِيَّيْنِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِيَبْنِيَا جِدَاراً صِيَانَةً لِمَالِ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَتَوَلَّى إِصْلَاحَهُمْ بِنَفْسِهِ؟!
* الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ (مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ): مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي قِصَّةِ ابْنَةِ سَيِّدِنَا حَمْزَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) -وَهِيَ يَتِيمَةٌ بَعْدَ اسْتِشْهَادِ أَبِيهَا فِي أُحُدٍ- حَيْثُ اخْتَصَمَ فِيهَا سَيِّدُنَا عَلِيٌّ، وَسَيِّدُنَا جَعْفَرٌ، وَسَيِّدُنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجمعِينَ)، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يَكْفَلَهَا وَيَحْمِلَ عِبْءَ إِصْلَاحِهَا لِنَيْلِ الْأَجْرِ. فَقَضَى بِهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَالَتِهَا (زَوْجَةِ سَيِّدِنَا جَعْفَرٍ) وَقَالَ: “الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ”. تَأَمَّلُوا كَيْفَ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ عَلَى كَفَالَةِ الْيَتَامَى وَلَا يَتَهَرَّبُونَ مِنْهَا!
إِنَّ “الْإِصْلَاحَ” الَّذِي تُطَالِبُنَا بِهِ الشَّرِيعَةُ لَيْسَ صَدَقَةً جَافَّةً، بَلْ هُوَ نَصِيحَةٌ تُقَوِّمُ خُلُقَهُ، وَعِلْمٌ يَبْنِي عَقْلَهُ.
قَال الشَّاعِرُ: ارْحَمْ بَنِيكَ وَأَقْرِنْهُمْ بِإِخْوَتِهِمْ … مِنَ الْيَتَامَى الَّذِينَ غَابَ رَاعِيهِمْ
فَأَنْتَ لِلْيَتَامَى كَالْأَبِ الرَّحِيمِ بِهِمْ … تَسْعَى لِإِصْلَاحِهِمْ وَالْجُودِ يُغْنِيهِمْ
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: يَا مَنْ تُرِيدُ رِفْقَةَ النَّبِيِّ ﷺ، اجْعَلْ لِلْيَتِيمِ فِي مُحِيطِكَ نَصِيباً مِنْ تَوْجِيهِكَ لَا مَالِكَ فَحَسْبُ. تَفَقَّدْ شَأْنَهُ الدِّرَاسِيَّ، وَاحْرِصْ عَلَى أَنْ تَكُونَ لَهُ قُدْوَةً حَسَنَةً.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْيَتَامَى وَأُسْوَةُ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَمْ يَشْهَدِ التَّارِيخُ بَشَراً أَبَرَّ بِالْأَيْتَامِ مِنْ سَيِّدِنَا سَيِّدِ الْخَلْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي وُلِدَ يَتِيماً. كَانَ ﷺ يَقُولُ لِمَنْ جَاءَ يَشْكُو قَسْوَةَ قَلْبِهِ: “امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ، وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ”.
وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ قِصَّتَيْنِ عَنِ الْحَنَانِ النَّبَوِيِّ فِي رِعَايَةِ الْيَتَامَى:
* الْقِصَّةُ الْأُولَى (أَبْنَاءُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ): لَمَّا اسْتُشْهِدَ سَيِّدُنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَعْرَكَةِ مُؤْتَةَ، زَارَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَهُ، فَرَأَى أَبْنَاءَهُ الْيَتَامَى، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْحَلَّاقِ فَجَاءَ فَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ لِيُرَتِّبَ شَأْنَهُمْ، وَقَالَ لِأُمِّهِمْ: “لَا تَخَافِي عَلَى عَيْلَتِهِمْ (فَقْرِهِمْ) وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”. فَمَنْ سَيَكُونُ لِلْيَتَامَى بَعْدَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ قُلُوبِنَا؟!
* الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ (قِصَّةُ نَخْلَةِ الْيَتِيمِ): حَدَثَ أَنْ كَانَ يَتِيمٌ يَبْنِي حَائِطاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارٍ لَهُ، فَمَالَتْ نَخْلَةُ الْجَارِ لِتَدْخُلَ فِي بِنَاءِ الْيَتِيمِ، فَطَلَبَ الْيَتِيمُ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يَتْرُكَهَا لَهُ، فَرَفَضَ. فَلَمَّا عَلِمَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَضَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَمْنَحَهَا لِلْيَتِيمِ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، فَتَرَدَّدَ الرَّجُلُ، فَقَامَ سَيِّدُنَا أَبُو الدَّحْدَاحِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَاشْتَرَى النَّخْلَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِبُسْتَانٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ! وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْهَا لِلْيَتِيمِ. فَقَالَ ﷺ: “كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ”. هَكَذَا عَمِلَ الصَّحَابَةُ عَلَى إِصْلَاحِ شَأْنِ الْيَتِيمِ مَادِّيّاً وَنَفْسِيّاً.
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، اجْعَلُوا مِنَ الِاحْتِفَالِ بِالْمُنَاسَبَاتِ فُرْصَةً لِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْيَتَامَى، فَالْإِصْلَاحُ يَبْدَأُ مِنْ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ.
الْعُنْصُرُ الثَّالثُ: صُوَرٌ مَشْرُقَةٌ مِنْ حَيَاةِ الصَّحَابَةِ فِي رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ وَتَرْبِيَتِهِمْ
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَقَدْ تَرَبَّى جِيلُ الصَّحَابَةِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) فِي مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ، فَكَانُوا حُرَّاساً لِلْأَيْتَامِ.
وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ قِصَّتَيْنِ تَعْكِسَانِ فِقْهَ الصَّحَابَةِ فِي إِصْلَاحِ الْيَتَامَى:
* الْقِصَّةُ الْأُولَى (سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ): كَانَ سَيِّدُنَا ابْنُ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) لَا يَقْعُدُ عَلَى طَعَامٍ أَبَداً إِلَّا وَعَلَى مَائِدَتِهِ يَتِيمٌ يَأْكُلُ مَعَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ اشْتَهَى مَرَّةً طَعَاماً، فَأُتِيَ بِهِ، فَطَلَبَ يَتِيماً لِيُشَارِكَهُ فَلَمْ يَجِدُوا، فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ طَعَامِهِ جَاءَ الْيَتِيمُ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: قَدِّمُوا لَهُ طَعَاماً غَيْرَ هَذَا فَإِنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ مِنَّا. لَقَدْ كَانُوا لَا يَتَمَتَّعُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُشْرِكُوا فِيهِ الْيَتَامَى.
* الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ (سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ): كَانَتْ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) تَأْخُذُ أَبْنَاءَ الْأَيْتَامِ وَبَنَاتِهِمْ لِتُرَبِّيَهُمْ فِي بَيْتِهَا، وَكَانَتْ لَا تَكْتَفِي بِالْكَفَالَةِ الطَّعَامِيَّةِ، بَلْ كَانَتْ تُتَاجِرُ بِأَمْوَالِهِمْ لِتُنَمِّيَهَا، حَتَّى لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ، فَكَانَتْ تُسَلِّمُ الْيَتِيمَ مَالَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ! هَذَا هُوَ “الْإِصْلَاحُ” الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَبْنِي الْمُسْتَقْبَلَ.
قَال الشَّاعِرُ: لَقَدْ عَلِمَ الْأَيْتَامُ أَنَّكَ بَعْدَمَا … رَحَلَ الَّذِي يَرْعَى صَنَعْتَ الْأَكْمَلَا
تَبْنِي وَتُصْلِحُ لِلْيَتِيمِ شُؤُونَهُ … وَتَصُونُهُ حَتَّى يَصِيرَ مُبَجَّلَا
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: أَيُّهَا الدُّعَاةُ وَالْمُسْلِمُونَ، لَا تَقْتَصِرُوا فِي تَعَامُلِكُمْ مَعَ الْيَتَامَى عَلَى مَوْسِمٍ أَوْ يَوْمٍ. اجْعَلُوا مُسَاعَدَتَهُمْ مُسْتَمِرَّةً، وَوَجِّهُوهُمْ لِلْحِرَفِ وَالْمِهَنِ الَّتِي تُغْنِيهِمْ لِيَصِيرُوا أَعْضَاءً فَعَّالِينَ فِي دَوْلَتِنَا الْغَالِيَةِ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: التَّحْذِيرُ مِنْ خُطُورَةِ الشَّائِعَاتِ وَأَثَرِهَا عَلَى الْفَرْدِ وَالدَّوْلَةِ
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَا يَكْتَمِلُ إصْلَاحُ الْمُجْتَمَعِ بِرِعَايَةِ الْيَتَامَى فَقَسْبُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّصَدِّي لِمَا يَهْدِمُ عُقُولَهُ وَيُهَدِّدُ أَمْنَهُ الْقَوْمِيَّ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمَخَاطِرِ الَّتِي تَبُثُّ السُّمُومَ فِي جَسَدِ أُمَّتِنَا الْيَوْمَ هِيَ “الشَّائِعَاتُ”؛ هَذِهِ الْأَخْبَارُ الْكَاذِبَةُ الَّتِي تَنْتَشِرُ دُونَ تَبَيُّنٍ.
لَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦]. الشَّائِعَةُ تَقْضِي عَلَى الرُّوحِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلشُّعُوبِ، وَتُشَكِّكُ فِي الْإِنْجَازَاتِ، وَتَهْدِمُ الْبُيُوتَ.
وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ قِصَّتَيْنِ عَنْ خُطُورَةِ الشَّائِعَاتِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِينَ:
* الْقِصَّةُ الْأُولَى (شَائِعَةُ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ): لَمَّا كَانَتْ مَعْرَكَةُ أُحُدٍ، وَانْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي لَحْظَةٍ، صَاحَ صَائِحٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: “أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ!”. فَتَسَرَّبَتْ هَذِهِ الشَّائِعَةُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَأَلْقَى بَعْضُهُمُ السِّلَاحَ، وَقَالُوا: مَا نَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟! حَتَّى قَامَ سَيِّدُنَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فَقَالَ: “مَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟! قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ!”. لَقَدْ كَادَتِ الشَّائِعَةُ أَنْ تُبِيدَ كِيَانَ الْأُمَّةِ لَوْلَا ثَبَاتُ أَهْلِ الْعَزَائِمِ.
* الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ (شَائِعَةُ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ): لَمَّا هَاجَرَ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) إِلَى الْحَبَشَةِ فِرَاراً بِدِينِهِمْ، أَشَاعَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ شَائِعَةً كَاذِبَةً أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا وَأَنَّ الْأَوْضَاعَ اسْتَقَرَّتْ. فَرَجَعَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلُوا وَجَدُوا الْخَبَرَ كَذِباً، وَتَعَرَّضُوا لِأَشَدِّ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ. هَكَذَا هِيَ الشَّائِعَاتُ تُوقِعُ الصَّادِقِينَ فِي الشَّرِّ.
وَلَا نَنْسَى مَا حَدَثَ مَعَ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) فِي “حَادِثَةِ الْإِفْكِ”، وَكَيْفَ أَدَّتِ الشَّائِعَةُ إِلَى زَعْزَعَةِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ نَفْسِهِ شَهْراً كَامِلاً.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ التَّحْذِيرَ مِنْ خُطُورَةِ الشَّائِعَاتِ لَيْسَ تَرَفاً، بَلْ هُوَ حِمَايَةٌ لِلْوَطَنِ وَحِفْظٌ لِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ. الْمُؤْمِنُ الْحَقُّ يُمِيتُ الشَّائِعَةَ فِي صَدْرِهِ وَلَا يَجْعَلُهَا تَتَجَاوَزُ شَفَتَيْهِ.
قَال الشَّاعِرُ: لَا تَقْبَلَنَّ مِنَ الشَّيْطَانِ نَبْأَةً … حَتَّى تُحَقِّقَ أَوْ يَأْتِيكَ بُرْهَانُ
إِنَّ الشَّائِعَةَ سَهْمٌ غَادِرٌ أَبَداً … تَهْدِي الْعَدُوَّ فَلَا يَبْقَى لَكَ الشَّانُ
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: إِذَا وَصَلَكَ مَنْشُورٌ أَوْ رِسَالَةٌ عَلَى هَاتِفِكَ فِيهَا تَشْكِيكٌ بِدَوْلَتِنَا أَوْ أَمْنِنَا، أَمِتْهَا فِي قَلْبِكَ، وَلَا تَعْمَلْ لَهَا نَشْراً (Share)، فَالْمُشَارِكُ فِي نَشْرِ الشَّائِعَةِ شَرِيكٌ فِي جَرِيمَتِهَا. رُدُّوا الْأَمْرَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاخْتِصَاصِ حَتَّى تَبْقَى دَوْلَتُنَا مِصْرُ، مَصُونَةً أَبِيَّةً.
الدُّعَاءُ: يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا جَابِرَ الْمُنْكَسِرِينَ، اجْعَلْنَا لِلْأَيْتَامِ آبَاءً، وَلِلضُّعَفَاءِ سَنَداً وَنُصَرَاءَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَبْنَائِنَا، وَاحْفَظْ مِصْرَ كِنَانَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، أَمْناً وَأَمَاناً، سَخَاءً رَخَاءً. اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَنَا وَشُرْطَتَنَا، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا الْأَبْرَارَ. اللَّهُمَّ صُنْ عُقُولَنَا مِنَ الشَّائِعَاتِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ.
عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
واللهُ تعالى أعلمُ، وباللهِ تعالى التوفيقُ والسَّدادُ –
كتبه الشيخِ أحمد إسماعيل الفشني. القاهرة في ٢٩ مارس ٢٠٢٦م
مجلة روح الاسلام فيض المعارف