لماذا تهاجم بعض التيارات السلفية الدكتور علي جمعة؟
6 مارس، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

بقلم الشيخ : عبدالله قدري
في كل مرحلة من مراحل الاضطراب الفكري، يظهر صراعٌ بين مدرستين:
مدرسةٍ ترى الدين نصًّا مجرّدًا من سياقه، وأخرى تفهم النص في ضوء مقاصده، وتستصحب فقه الواقع، وتقرأ التراث بعين الأصول لا بعين الانتقاء.
ومن هنا يمكن فهم حالة التوتر الدائم بين بعض التيارات السلفية المعاصرة، وبين فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة.
أولًا: صراع المنهج لا صراع الأشخاص
الدكتور علي جمعة ليس مجرد خطيب أو واعظ، بل هو عالم أصولي متعمق، تخرّج من الأزهر الشريف، وتولّى منصب مفتي الديار المصرية، وهو من العلماء الذين جمعوا بين التحقيق التراثي والوعي بالواقع.
مدرسته تقوم على:
الالتزام بالمذاهب الفقهية المعتبرة.
الانطلاق من أصول الاستدلال لا من ظواهر النصوص وحدها.
مراعاة المقاصد الشرعية وفق ميزان منضبط.
التفريق بين القطعي والظني، وبين الثابت والمتغير.
وهذا المنهج بطبيعته يصطدم بالتيار الذي يميل إلى:
القراءة الحرفية للنص.
إلغاء التراكم المذهبي.
تضييق دائرة الخلاف المعتبر.
التعامل مع التراث بروح انتقائية.
إذن القضية ليست شخصًا بعينه، بل اختلافًا عميقًا في طريقة فهم الدين.
ثانيًا: موقفه من التطرف
من الأسباب الجوهرية للهجوم عليه أنه كان من أوائل العلماء الذين تصدوا صراحةً للفكر المتطرف، سواء تمثّل في جماعات سياسية دينية كتنظيم الإخوان المسلمون، أو في بعض اتجاهات السلفية الحركية المعاصرة التي خلطت بين الدعوة والصدام.
لقد أعلن بوضوح أن:
العنف ليس منهجًا شرعيًا.
التكفير بابٌ خطير لا يُفتح لكل أحد.
الخروج على المجتمعات وتأليب الشباب عليها فسادٌ في الدين والدنيا.
وهذا الموقف أزعج من اعتاد خطاب التعبئة لا خطاب التهدئة، وخطاب التصنيف لا خطاب الجمع.
ثالثًا: حضوره العلمي وتأثيره الجماهيري
الرجل موسوعي الاطلاع، قرأ في الفقه وأصوله، والحديث، والمنطق، والتاريخ، وله قدرة على تبسيط المعاني العميقة بلغة معاصرة.
وهذا الحضور العلمي مع القبول الجماهيري يجعل تأثيره واسعًا، ومن الطبيعي أن يصبح هدفًا للنقد الحاد من خصومه.
لكن اللافت أن كثيرًا من هذا النقد لا ينصب على تحقيق علمي لمسائله، بل يتحول إلى:
تشكيك في النيات.
اقتطاع للعبارات من سياقها.
تضخيم للهفوات البشرية – إن وُجدت – لتصبح عنوانًا عامًا.
رابعًا: عبارة “عالم لكنه ضل”
من العبارات المتداولة عند بعض المنتسبين للسلفية:
“هو رجل على علم كبير، لكنه ضل.”
وهذه العبارة – في ظاهرها تشعرك بأنها إنصاف – لكنها تحمل في باطنها مصادرة كبرى؛ إذ تجعل المخالف في الاجتهاد كأنه خرج عن سواء السبيل، مع أن الخلاف في كثير من المسائل بينه وبينهم خلاف معتبر قديم، قال به أئمة قبل أن يولد هذا الاصطلاح المعاصر.
فهل كل من خالف قراءةً معينة للنص يُوصم بالضلال؟
أم أن الخلاف الفقهي والأصولي أوسع من هذا التضييق؟
خامسًا: رحمته بالمخالف
من يعرف الدكتور علي جمعة عن قرب، يدرك سعة صدره، وحرصه على تهدئة النفوس، ورفضه للتصنيف الحاد.
قد يختلف، وقد يرد، لكنه لا يجعل من المخالف عدوًا للدين، ولا يفرح بإسقاط أحد.
وهنا تظهر المفارقة:
من يُتهم أحيانًا بالتشدد في بعض مواقفه السياسية، هو في خطابه العلمي والدعوي شديد الحرص على ضبط اللسان، ومنع التهييج، وحماية الشباب من الانزلاق إلى مسارات الصدام.
خاتمة
الهجوم المتكرر على الدكتور علي جمعة ليس معزولًا عن سياق أوسع:
صراع بين مدرسة مؤسسية أزهرية عريقة، ترى الدين علمًا منضبطًا متصل السند،
وبين اتجاهات حديثة تشكّلت في ظروف سياسية واجتماعية مضطربة.
وسيظل الخلاف قائمًا ما دام هناك تعدد في الفهم، لكن الإنصاف يقتضي أن يُناقَش الرجل بعلمه، وأن تُوزَن آراؤه بميزان البحث، لا بميزان الاصطفاف.
فالخلاف العلمي سُنّة، أما تحويله إلى معركة تشويه، فليس من أخلاق العلماء.