خطبة بعنوان ( قيمة الاحترام وصوره في الإسلام ) للدكتور : محمد جاد قحيف
الحمد لله الذي خلق الخلق فأبدعه ، وسن الدين وشرعه ، وقدر الرزق ووسعه ، لا معز لمن وضعه ، ولا مذل لمن رفعه ، ولا إله إلا هو ولا شريك معه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه وبعد :
فالإنسان بطبيعته وفطرته يحب أن يحترم، ولا يرضى أن يهان بأي نوع من الإهانة .
والإسلام دين يحترم الإنسان ويدعو إلى احترامه وتكريمه حتى في دعوته إلى الله -تعالى .
وقال تعالى { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } . أي : “من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه ” . (تفسير القرطبي ) .
فدين الإسلام يدعو إلى الآداب الرفيعة والقيم الأخلاقية النبيلة ، ومن أهم القيم المستحدثة في عصرنا والتي لها أصل في الإسلام قيمة الاحترام . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس منَّا مَنْ لم يُجِلَّ كبيرَنا ، ويرحمْ صغيرَنا ! ويَعْرِفْ لعالِمِنا حقَّهُ» صحيح الجامع .
مفهوم الاحترام الاحترام هو أحد القيم الحميدة التي يتميز بها الإنسان، ويعبر عنه تجاه كل شيء حوله أو يتعامل معه بكل تقدير وعناية والتزام ، فهو تقدير لقيمة ما أو لشيء ما أو لشخص ما، وإحساس بقيمته وتميزه ..
يتجلى الاحترام كنوع من الأخلاق أو القيم، كما هو الحال في المفهوم الشائع «احترام الآخرين» أو مبدأ التعامل بالمثل، لكن هنالك فرق بينه وبين عدة مصطلحات مثل «الاهتمام والإعجاب» يفضل عدم الخلط بينها… ويفضل عدم المبالغة في الاحترام حتى لا يساء الفهم ..
وكلمة ازدراء هي عكس كلمة احترام وتعبر تماما عن عكس جميع ما تعنيه كلمة احترام.. وفي الثقافة الإسلامية هناك عدة طرق لإظهار الاحترام للناس ، على سبيل المثال: عادة تقبيل يد الكبار والعلماء والصالحين، و تقبيل يدي والديك، وجديك، ومعلميك . ويكيبيديا .
العنصر الأول : مواقف من أدب النبي صلى الله عليه وسلم . ويتجلى الأدب النبوي الجم لرسولنا صلى الله عليه وسلم في مراسلة الملوك والرؤساء ، وقد ظهرت قيمة الاحترام في الاسلام في العديد من المواقف، فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل دِحْيَة الْكَلْبِيّ رضي الله عنه برسالة إلى هرقل عظيم الروم يدعوه فيها إلى الاسلام استهلها بقوله: “من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم“ السلام على من اتبع الهدى ، وواضح من أدب المراسلة مخاطبة هرقل بلقبه احتراماً له، كذلك حمل الصحابي عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي جاء فيها: “من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة“ (ويكيبيديا).
وهذا يظهر حرص نبينا الكريم على مخاطبتهم بكل إحترام وإنزالهم منازلهم ، واحترامهم وتقديرهم .
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة ، فهو خير قدوة عرفتها البشرية ، ليس احترام النبي صلى الله عليه وسلم للملوك والرؤساء فقط ، بل كان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالفقراء والبسطاء ، وعدم احتقاره لهم ، أو التقليل من شأنهم واضحا في سيرته صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك: أنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عنْه، فَقالوا: مَاتَ، قالَ: أَفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قالَ: فَكَأنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقالَ: دُلُّونِي علَى قَبْرِهِ أو قبرها فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قالَ: إنَّ هذِه القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً علَى أَهْلِهَا، وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لهمْ بصَلَاتي عليهم . أخرجه الإمام مسلم
العنصر الثاني : احترام الكبير والوالدين إن احترام كبار السن وتقديرهم أهم آداب الإسلام وأخلاقه الرفيعة ، فيجب احترام الكبير ورحمته وتوقيره ، كما يجب على المسلم احترام الوالِدَين ببرِّهما والإحسان إليهما، وخِدمتها بالنفس والمال، والدعاء لهما أحياءً وأمواتًا .
وبِرُّ الوالدَيْنِ من آكدِ وأعظمِ حقوق العباد التي أمر الله عز وجل برعايتها، ووأوصى بها ؛ حيث جعله الله في المرتبة التي تلي حقَّه سبحانه في التوحيد، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (الإسراء:23).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رغم أنفه (لصق بالتراب كناية عن الذل والمهانة)، ثم رغم أنفُه، ثم رغم أنفُه، قيل: مَن يا رسول الله؟! قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدَهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة) . رواه إلامام مسلم .
ومن مظاهر احترام الكبير: تقديم الكبير في كل شيء، كإمامة الناس في صلاة الجماعة عند التساوي في مؤهلاتها ، والتحدُّث في المجالس، والبدء بالطعام، والجلوس، وغير ذلك …
و الإمتناع عن مخاطبة الكبير باسمه دون لقب بل يجب حفظ الألقاب ..
احترام آراء الكبار وعدم التقليل من شأنهم فمثلاً نجد من يسخر من كبار السن و يحاول الاستهزاء بهم، و التقليل من شأنهم أمام الآخرين .
تقديم الرعاية لكبار السن سواء إن كان ذلك بزيارتهم أو و التواصل معهم، و مساعدتهم في القيام بالأعمال التي لا يستطيعون القيام بها، و من الممكن أيضاً تقديم المساعدات المالية لهم ؛ حتى يستطيعوا الوفاء ، ومن الضروري أن يدرك الشاب أنه ذات يوم سوف يتقدم في العمر، ويحتاج إلى من يقدره، ويحترمه، ويعامله معاملة طيبة.
فقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعرِفُ للناسِ أقدارَهم، ويُنزِلُ كلَّ شَخصٍ مَنزلتَه، وهذا مِن حُسنِ فِطنةِ النَّبيِّ الكريمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأدَبِه الذي علَّمَه لنا بالقولِ والفعلِ، وعلَّمَ أصحابَه هذه المكارِمَ.
وفي الحديثِ الشريف تقولُ السيدة عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها: “أمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ نُنزِلَ الناسَ مَنازِلَهم” .
أخرجه الإمام البيهقي في (الشعب)بسند صحيح .
وهذا إرشادٌ إلى إكرامِ وُجوهِ الناسِ وتَبجيلِهم، والإحسانِ إليهم وتألُّفِهم . (الدرر السنية). الآثار الإيجابية لاحترام الكبير : ١- دمجهم بالمجتمع الذي يعيشون فيه، وتخليصهم من عزلتهم، لتقليل حدة التغيرات الاجتماعية والنفسية التي يمرون بها.
٢- تربية الصغار على القيم والاحترام .
واحترام كبار السن وتقديرهم يغرس هذا المفهوم لدى الأطفال، ممّا يدفعهم لاحترام كبار السن مستقبلا، فينشأ جيل يحمل معه ثقافة راقية.
٣-شعور الفرد بالأمان المستقبلي، وهو واثق بأنّه سينال الاحترام والتقدير من الآخرين.
٤-احترام كبار السن يدلّ على رفعة المجتمع وسموّه.
العنصر الثالث : احترام المرأة و الرحمة بالصغار .
احترام المرأة
فقد جاء الإسلام لدحض كلّ العادات والتقاليد التي كانت شائعة عن المرأة في الجاهلية بالادعاء أنّها سقط متاع ، أو مخلوقٌ لا قيمة له ، خلق فقط لخدمة الرجل، وكان العرب في جاهليتهم يئدونها حية ، وكانوا يتنكرون لإنسانيتها، و يرون أنها سلعة تباع وتشترى لا قيمة لها ولا مقام ، كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه :” والله إنا كنا في جاهلية ما نعير للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم “.
لقد جاء الإسلام فكرَّمها، وأكَّد وجوب احترامها ، وجعل لها ما للرجل وعليها ما عليه ، لأنهما فرعان من شجرة واحدة ، متساويان في أصل النشأة ، وفي الخصائص الإنسانية العامة، وقال صلى الله عليه وسلم :” إنما النساء شقائق الرجال “. رواه الإمام أحمد بسند حسن .
ومن احترام المرأة لنفسها التزامها بحاجبها وأولياء أمرها هم المسئولون عن ذلك ، وقد جاء في التاريخ المعاصر ما يطلق عليها أقصر خطبة في التاريخ! حيث خطب الإمام المفسر الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير فسأل المدعوين سؤالا : نساء من اللواتي في الأسواق ؟! فلم يجب أحدا منهم ،ثم كرر السؤال فلم يجب أحدا!! فقال : لا خير في صلاتكم ونساؤكم عرايا!! أقم الصلاة !! .
كما أن رحمة الكبير للصغير تربية على الاحترام ولون من ألوانه ، ولا شك أن احترام وتقدير الصغير يربي فيه الثقة بالنفس والكرامة ، ويبني في ذهنه معاني الرجولة ويبعده عن الخوض في الرذائل .
عن سهل بن سعد الساعدي ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام :” أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ” ؟ ، فقال الغلام : لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً ، قال : فتلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. رواه الإمام البخاري .
ورواية الإمام الترمذي أن الغلام هو سيدنا عبد الله بن عباس ، فعنه رضي الله عنه قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء فيه لبن فشرب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا على يمينه وخالد على شماله فقال لي :” الشربة لك فإن شئت آثرت بها خالداً ” ، فقلت : ما كنت أوثر على سؤرك أحداً
ومن صور احترام الصغير : القيام له . روى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:ما رأيت أحداً أشبه سمتاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في قيامها وقعودها ـ من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها وقبلته وأجلسته في مجلسها .
وهذا هدي نبوي كريم في احترام الأطفال ، والحرص على مشاعرهم .
العنصر الرابع : الاحترام المتبادل ما بين الزوجين
فالزواج عبارة عن شراكة بين زوجين الرجل والمرأة وفق أسس مبنية على شرع الله ، وأحكام الإسلام.
ومعلوم أن دين الإسلام للاحترام المتبادل والعشرة الطيبة بين الزوجين عن طريق المودة والرحمة ، كما في قوله تعالى :﴿ وَمِنْ آيَـاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَـاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. (الروم:21) .
والمودة كناية عن الجماع ، والرحمة يراد بها الولد، كما قال الإمام الألوسي: (وكون المودة بمعنى المحبة، كناية عن النكاح أي الجماع للزومها له ظاهر، وأما كون الرحمة كناية عن الولد للزومها له، فلا يخلو عن بعد). روح المعاني ٢١/١٣.
وقد قيل أن المودة للشابة، والرحمة للعجوز .
والرحمة أهم ثمرات الزواج
و( هي صفة المسلم أو المسلمة في كل حين ،وهي غريزة ملائمة كالعادة التي أفرزتها حسن المعاشرة ، ولين القول ، وإخلاص النصيحة). المرأة في التصور الإسلامي الشيخ عبد المتعال الجبري ص٥٠.
والعشرة الزوجية تجعل الزوجين متراحمين ، يتراحم الرجل مع زوجته فيغفر تقصيرها ، ولا ينظر لهفواتها ، ولا يتصيد أخطاؤها ، ويغض الطرف عن كل هذا ، وتتراحم المرأة مع زوجها حبا واحتراما له ، وإخلاصا ووفاء ، ومن هذه الرحمة التي يتأسس عليها البيت يرحم الزوجان الأبناء .
والميثاق الغليظ بمعنى العقد أو العهد الوثيق .
قال الحافظ ابن كثير: روى عن ابن عباس وابن جبير رضوان الله عليهم ” المراد بذلك العقد ” . تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير ١٤٨/١.
والميثاق الغليظ يعني أخذنا منكم ” عهدا قويا يتعذر حله فيربط ، ويحفظ المصالح ، ويندمج به كلا من الطرفين في صاحبه” . الاسلام عقيدة وشريعة الشيخ شلتوت ص١٤٧.
ومن “تمام رحمته ببني آدم أن جعل بينهم أزواجهم من جنسهم ، وجعل بينهم وبينهن المودة وهما المحبة، و رحمة ، وهي الرأفة ، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها ، أو لرحمة بها ، بأن يكون لها منه ولد ، أو محتاجة إليه في الإنفاق ..”تفسير ابن كثير ١٤٨/١ .
والمودة والرحمة تنتج الاحترام المتبادل والعشرة بالمعروف ، والتوازن بين الحقوق والواجبات.
1- عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((خَيرُكم خَيرُكم لأهلِه، وأنا خَيرُكم لأهلي)) . أخرجه الإمام الترمذي وسنده صحيح .
2- عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (استوصوا بالنِّساءِ؛ فإنَّ المرأةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أعلاه، فإنْ ذهَبتَ تُقيمُه كسَرْتَه، وإن تركْتَه لم يَزَلْ أعوَجَ؛ فاستوصوا بالنِّساءِ). (أخرجه الشيخان) .
إن حقوق الزوجة يقابلها واجبات الزوج ، وحقوق الزوج يقابله واجبات الزوجة ، لخصت الحقوق والواجبات الزوجية آية قرآنية في محكم التنزيل ، لا تتجاوز سطرا واحدا . قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 228] .
والاحترام المؤسس على المودة والرحمة أعم من الحب الأعمى والقاصر ، فالحب فقط بلا رحمة ، أنتج نتائج وثمار مرة في واقع الحياة ، تنتهي بحوادث القتل ، والاغتصاب ، والخيانة ، وغير ذلك…
العنصر الخامس :احترام وتوقير العلماء
لقد دعا ديننا إلى احترام وتوقير العلماء وأكد عليه ؛ لأنهم ورثة الأنبياء .
ومن هنا فإن أحقُّ الخلْقِ بالإكرامِ والتَّبجيلِ: الأنبياءُ، والأئمَّةُ، ومَن يَخلُفُهم مِن أُولي الأمْرِ، والعُلماءُ، والسَّادةُ، والرَّجلُ في أهْلِه؛ حتى لا يُؤخَّرَ مُقدَّمٌ ولا يُقدَّمَ مُؤخَّرٌ، فتَنفِرَ القلوبُ والخواطرُ، وتَضطرِبَ الأحوالُ؛ فمَن تألَّفَت فيه هذه المنازلُ فهو المُقدَّمُ.
وهذا أدَبٌ نَبويٌّ وتربيةٌ قويمةٌ، وفيها الحَضُّ على مُراعاةِ مَقاديرِ الناسِ، ومَراتبِهم، ومناصبِهم، فيُعامَلُ كلُّ واحدٍ منهم بما يَلِيقُ بحالِه، وبما يُلائمُ مَنصِبَه في الدِّينِ، والعلمِ، والشَّرَفِ، والمرتبةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قد رتَّبَ عبيدَه وخَلْقَه، وأعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، ولكنْ يَنبغي أنْ يُحمَلَ هذا الأمْرُ بالإكرامِ على ما إذا لم يَحصُلْ ضَررٌ في الدِّينِ لأيٍّ مِن الطَّرفينِ؛ فإنَّ تَبجيلَ الكافرِ كُفْرٌ، ومَن وقَّرَ صاحبَ بِدْعةٍ فقد أعان على هَدْمِ الإسلامِ (الدرر السنية).
ومما لا شك فيه أن الإسلام قد رفع من قدر العلماء وأصحاب الفضل وأمر باحترامهم وإجلالهم .
قال أبو الأسود رحمه الله : ليس شيء أعز من العلم وذلك أن الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك .
ولأن الله نفى التسوية بينهم وبين غيرهم بقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } .
وفي الحديث الشريف: “إنَّ من إجلالِ اللَّهِ إِكْرامَ ذي الشَّيبةِ المسلِمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنهُ، وإِكْرامَ ذي السُّلطانِ المقسِطِ”. أخرجه الإمام أبو داود وسنده حسن .
ولأن العلماء في الأمة نجوماً يهتدي بها الناس في الظلمات ، وشواطئ نجاة ومستقر أمان.
وصفهم الإمام الآجري رحمه الله بقوله : ما ظنكم بطريق فيه آفات كثيرة ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء ، فإن لم يكن فيه ضياء تحيروا ، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم ، فسلكوه على السلامة والعافية ، ثم جاءت طبقات من الناس ، لابد لهم من السلوك فيه فسلكوه ، فبينما هم كذلك إذ طفأت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بربكم ؟ وهكذا العلماء في الناس ..فإذا ماتوا تحير الناس ، ودرس العلم بموتهم ، وظهر الجهل . أ . هـ.
وقال أيوب : إني أخبر بموت الرجل من علماء أهل السنة كأني أفقد عضوا من أعضائي . وقال يحيى بن جعفر : لو قدرت أن أزيد في عمر الإمام البخاري ، من عمري لفعلت ، فإن موتي يكون موت رجل واحد ، وموته ذهاب العلم .
وقال الامام أبو حنيفة في شيخه حماد : ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه أو علمني علما .
ومن صور قيمة الاحترام المباركة : احترام المسلم لأخيه المسلم، وغير المسلم ، وقد دلت نصوص الوحي من الكتاب والسنة على ذلك، فقد جاء في الحديث الشريف: “المسلمُ أخو المسلمِ لا يخونُهُ ولا يَكذِبُهُ، ولا يخذلُهُ، كلُّ المسلمِ علَى المسلمِ حرامٌ: عِرضُهُ ومالُهُ ودمُهُ.
كما أمرنا الخالق سبحانه وتعالى باحترام غير المسلمين الذين يختلفون معنا في العقيدة ، وذلك من خلال احترام إنسانيتهم وآدميتهم، وكذلك احترام عقيدتهم ودينهم على قاعدة “لكم دينكم ولي دين” ، وعدم الاعتداء عليهم أو على ممتلكاتهم ومعابدهم . وغير ذلك من صور الاحترام التي لا يحدها قلم ، ولا يحصرها بيان .
♦ وأخيرا : يا أخوة الإسلام : نحن بحاجة إلى قيم وأخلاق الإسلام أكثر من أي وقت مضى وبخاصة قيمة الاحترام الذي أصبح عملة نادرة ،وقيمة مفقودة في هذا الزمان .
وإن القائد إن لم يستطع احترام من دونه فهو لا يستحق القيادة ، بل يمكن القول بأنه مريض بداء الكِبِر أو التسلط أو العمل لمصالح شخصية ضيّقة وليس لمصلحة المجتمع . وإن من يعمل بقيمة الاحترام ويقدر من حوله يحترم ذاته ؛ لأنّ من لا يحترم نفسه لا يحترمه الناس ، فقد أكّد الدين الإسلاميّ على ضرورة احترام الذات في مواضع كثيرة منها تحريم ارتكاب الذنوب، والسيئات والمعاصي التي تقلّل من احترام الشخص لذاته . والعمل الصالح يحقق للإنسان ما يحتاجه من احترام الذات .
قال أبو سليمان الداراني (رحمه الله) : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح آخرته أصلح الله دنياه ، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس . فالخير كله في العمل الصالح ، وإن للمعاصي شرور و عقوبات تتعدى إلى الدين والدنيا والقلب والبدن ، ومن عقوباتها : أنها تجعل المرء يفقد احترامه لنفسه ورضاه عنها ، بل تجرئ السفهاء عليه ، كما أنها تورث ظلمة في الوجه و القلب ، وتجلب له الضيق والهم والغم والحزن والألم والانحصار ، وشدة القلق والاضطراب .( المعاصي عبد الحميد تركستاني).
قال ابن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها و ترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها . أيها الإخوة في الله: إن احترام الناس وتوقيرهم يكون بإلانة الكلام، والتواضع لهم، والاهتمام بهم، وقبول اعتذارهم، وتقدير ظروفهم، والتجاوز عن أخطائهم ، فكم جلب الاحترام من الحب والمودة، فالناس يحبون من يحترمهم و يبغضون من يهينهم . اللهم اهدنا واهدى بنا واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين . واللهم اهدي عصاة المسلمين وشباب المسلمين أجمعين ، واستر بنات المسلمين يارب العالمين . واللهم نسألك من الخير كله عاجله وآجله ، ما علمنا منه وما لم نعلم ، ونعوذُ بك من الشر كله عاجله وآجله ، ما علمنا منه وما لم نعلم .