بين دفء الذكريات وقسوة الحاضر… رحلة الروح في البحث عن ملامحها الأولى

بقلم  : أ . چيهان بدر الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية (سما الشاطبي)

ثمة أماكن لا تغادرنا مهما ابتعدنا عنها وثمة وجوه تظل معلقة في الذاكرة كنجوم بعيدة نراها كلما أغمضنا أعيننا ونستشعر دفئها كلما اشتدت برودة الأيام

النوستالچيا ليست حنينا إلى الماضي فحسب إنها محاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى من أرواحنا من قسوة الحاضر إنها ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بأيام كان يظنها عادية ثم اكتشف بعد فواتها أنها كانت أجمل ما امتلك

نشتاق إلى البيوت القديمة رغم ضيقها وإلى الشوارع التي حفظت خطواتنا وإلى أصوات رحلت ولم يبق منها سوى صداها في القلب نشتاق إلى أنفسنا كما كنا قبل أن تثقلنا الخسارات وقبل أن تعلمنا الحياة أن بعض الأحلام لا تصل إلى نهايتها

أحيانا تكفي رائحة عابرة تشبه رائحة بيت قديم أو صورة باهتة تسقط من بين صفحات كتاب منسي حتى نشعر أن الزمن لم يمض بعيدا كما كنا نظن وأن طفلا قديما يسكن أعماقنا ما زال ينتظر عند عتبة الذكريات يراقب الوجوه التي أحبها ويأمل أن تعود ولو للحظة واحدة

وفي الجهة الأخرى يقف الواقع الأليم بوجهه الصارم يذكرنا كل يوم أن الزمن لا يعود وأن الذين غادروا لن يطرقوا الأبواب مرة أخرى وأن كثيرا من التفاصيل التي أحببناها أصبحت مجرد ذكرى تسكننا ولا نسكنها

يتأرجح الإنسان بين الحنين وما يعيشه بين صورة قديمة تفيض بالحياة وبين حاضر يحاول أن يجد فيه معنى جديدا للاستمرار فيشعر أحيانا أن قلبه موزع بين زمنين زمن فقده وزمن لم يتصالح معه بعد

ومع ذلك تبقى للنوستالچيا رحمتها الخاصة فهي تمنحنا القدرة على الوفاء وتعلمنا أن الجمال لا يموت وأن المشاعر الصادقة لا تذبل مهما مرت عليها الأعوام وأن الإنسان لا يقاس بما يملكه الآن فقط وإنما أيضا بما يحتفظ به في ذاكرته من حب وأشخاص ومواقف صنعت روحه

إن أصعب ما في الواقع الأليم أنه يجبرنا على المضي قدما وأجمل ما في النوستالچيا أنها تسمح لنا بأن نلتفت إلى الخلف قليلا لنطمئن على أجزاء منا ما زالت هناك تنتظر أن نتذكرها