الأقنعة التي تخفي الخيانة

المقال الرابع من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

إن أخطر ما يميز جيوش الظل ليس فقط أنها تتحرك في الخفاء، بل أنها تجيد ارتداء الأقنعة، فتظهر في صور لا تثير الشك، وتتكلم بلهجات مألوفة، وتستعير شعارات مقدسة، حتى ينخدع الناس بها ويتعاملون معها على أنها جزء من نسيج الأمة، بينما هي في حقيقتها خيوط مسمومة تحيك في صمت ثوب الهزيمة. لم يعد الخائن اليوم يحمل على جبهته وسم الخيانة، ولا العميل يفضح نفسه بارتباطه العلني بأعداء الأمة، بل صاروا يتقنون التمويه، فيلبسون لكل مقام ثوبه، ويتقمصون لكل مرحلة دورها، حتى يتسللوا بلا مقاومة إلى أعماق المجتمعات.

تأمل كيف دخلوا من باب الدين، فرفعوا رايات التوحيد والجهاد، وخاطبوا الناس بآيات وأحاديث، لكنهم حرّفوها عن مقاصدها، فجعلوا الدين سلاحًا في وجه الأمة نفسها بدل أن يكون حصنًا لها. ظهر التكفيريون الذين يقتلون المسلم باسم الإسلام، ويهدمون المساجد بدعوى التوحيد، ويزرعون الفتنة بين الناس وكأنهم ورثة الأنبياء. وما كانوا في حقيقتهم إلا أدوات لمشاريع أكبر، أُطلقت لتفتيت الأمة على أساس الطائفة والمذهب، وليُقدَّم الدين للعالم في صورة دماء وذبح وتطرف. هذا القناع الديني كان من أخطر أقنعة جيوش الظل، لأنه استغل أقدس ما في النفوس لتمرير أخبث الأجندات.

ثم انظر إلى قناع المثقف والإعلامي، الذي يقدَّم للناس على أنه صوت الحرية والعقلانية، بينما هو في الحقيقة بوق مموّل، يردد مقولات المستعمر بألفاظ أنيقة، وينقل أفكار الغريب في ثوب الوطنية والحداثة. لقد رأينا كيف يُصنع هؤلاء في غرف التحرير، ويُصدَّرون للشاشات على أنهم رموز التنوير، فإذا هم يهدمون اللغة بدعوى التطوير، ويطعنون في التراث بدعوى النقد، ويهاجمون القيم بدعوى الحرية. هم الذين يقنعون الناس أن الاستلاب تقدم، وأن التبعية تحضر، وأن التقليد هو السبيل الوحيد إلى النهوض. وهكذا يتحول المثقف من ضمير الأمة إلى خنجر في خاصرتها.

أما القناع الاقتصادي فهو أشد خبثًا، لأنه يتخفى في صورة استثمار وتنمية وتبادل تجاري، بينما هو في حقيقته شبكة لنهب الموارد وإخضاع الشعوب. كم من شركة عابرة للقارات دخلت إلى بلادنا بشعار التنمية، فإذا بها تحتكر الأسواق، وتدمر الصناعات المحلية، وتحوّل الشعوب إلى مستهلكين دائمين لمنتجات الغريب. وكم من قرض مالي رُوّج له على أنه حل للأزمات، فإذا هو قيد يكبل الأجيال القادمة، ويجعل القرار السياسي مرتهنًا لإملاءات الدائنين. هذه جيوش ظل لا تحمل بنادق، لكنها تحمل دفاتر حسابات أقوى من ألف دبابة.

ثم هناك قناع الفن والثقافة، الذي يُقدَّم في صورة إبداع وذائقة وجمال، بينما هو في كثير من الأحيان وسيلة لتسطيح العقول وإشغال الناس بالتفاهة. كم من فيلم ومسلسل أُنتج ليغرس قيمًا غريبة، أو ليشوه صورة التاريخ، أو ليحوّل الخائن إلى بطل والوطني إلى متخلف. وكم من أغنية رُوّجت لتكون لسان حال جيل كامل، فإذا هي تدعو إلى العبث والاستهلاك والفراغ. هذه أيضًا أدوات جيوش الظل، لأنها تضرب في أعمق منطقة من الإنسان: وجدانه وذائقته، فإذا فسدت الذائقة فسد الوعي كله.

ولا ننسى القناع الرقمي، الذي هو الأحدث والأكثر انتشارًا. هنا يعمل الذباب الإلكتروني، والكمايتة، وأشباههم، ممن يختبئون خلف شاشات مظلمة، يطلقون جيوشًا من الشتائم والإشاعات، يزرعون الفتنة بين الشعوب، ويشعلون الصراعات الوهمية، حتى تتحول الساحة العربية إلى جحيم من العداوات البينية. هؤلاء عملاء بلا وجوه، وجنود بلا أسماء، لكن أثرهم قد يكون أوسع من أثر جيوش كاملة، لأنهم يغزون العقول ليل نهار، ويصنعون واقعًا افتراضيًا ينعكس على الواقع الحقيقي.

إن هذه الأقنعة جميعًا لا تتحرك عشوائيًا، بل ضمن شبكة مترابطة، كل قناع يكمل الآخر، وكل دور يُهيئ للدور الذي يليه. فإذا اجتمع الدين المحرّف مع الإعلام المأجور، ومع الاقتصاد المرهون، ومع الفن الفاسد، ومع الجيوش الرقمية، وجدنا أنفسنا أمام طوفان شامل يبتلع الأمة من جذورها. وهنا تكمن خطورة جيوش الظل: أنها لا تأتي من باب واحد يسهل إغلاقه، بل من أبواب متعددة، حتى إذا أُغلق أحدها فُتحت عشرة أخرى.

ولعل ما يزيد الأمر تعقيدًا أن هذه الأقنعة تستمد قوتها من جهل الناس وغفلتهم. فالذي لا يعرف عدوه قد يتوهم أنه وليه، والذي لا يميز بين القناع والوجه قد يضع يده في يد خائن وهو يظنه صديقًا. لذلك فإن الوعي هو السلاح الأول، ورفع الأقنعة هو الخطوة الكبرى في مواجهة جيوش الظل. وما لم نمتلك شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها، ونفضح الخونة مهما تلونوا، فسنبقى أسرى لهذه الأقنعة التي تتبدل ملامحها لكنها لا تغير حقيقتها: خيانة الأمة.

إن جيوش الظل ليست مجرد فكرة في كتاب، بل هي واقع يومي نراه في نشرات الأخبار، وفي قاعات الدراسة، وفي الأسواق، وفي الشاشات الصغيرة التي ترافقنا ليل نهار. إنهم بيننا، يتحركون بين كلماتنا وأحلامنا، يكتبون لنا تاريخًا غير تاريخنا، ويرسمون لنا مستقبلًا لا يشبهنا. ولن ينكسر هذا الطوفان إلا إذا اجتمع وعي الأمة كله على كشف هذه الأقنعة وتمزيقها، عندها فقط سينكشف الوجه الحقيقي للخيانة، ويعود النور ليبدد الظل.