
بقلم : أ. هالة أشرف
لم تكن مشكلة البشر يومًا أنهم لم يجدوا من يعلمهم، فالمعلمين الأكفاء موجودين منذ فجر التاريخ ولم نسمع حتى عن أكثرهم. لكن المشكلة الحقيقية التي ارتبطت بالإنسان في كل زمان ومكان أنه رسم في ذهنه صورة مُسبقة للمعلم ورفض كل من لا يشبهها.
لقد تصور التلاميذ والمُريدين فكرة أن العلم والحكمة لابد وأن يكون مصدرهم شيخ كبير السن أو عالِم أو حتى كتاب ضخم قديم يحوي أسرار الزمان وحقيقة الكون نفسه. لكن إذا تفكرنا في الأمر لوجدنا أن الدرس الأول بعد الخطأ جاء من غراب!
عندما قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة والحقد والحسد، أصبح من النادمين. لكن الأمر لم ينتهي عند هذا الحد. لقد تفاجأ قابيل بأن عليه أن يدفن أخيه وهو لم يتعلم بعد كيف يفعل ذلك. فأرسل الله سبحانه وتعالى له الغراب ليعلمه كيف يواري سوءة أخيه. لكن عند النظر في الأمر سنجد أن المشكلة لم تكن في الجثة فقط لكن أن الله لم يرسل ملاك أو شخص حكيم أو مُعلم بالهيئة التي يعتقد الإنسان أنها الأفضل ليكون المُعلم له.
ومما يدعو إلى التفكر أكثر في رسالة الخالق عز وجل لقابيل أن هذا المُعلم لم ينطق بحرف ولم يُلقِ خطبة أو يكتب كتابًا، فقد كان تعليمه مبنيًا تمامًا على الفعل لا الكلام.
وللأسف لم يتوقف الأمر عند هذه الواقعة ليفهم الإنسان أن العلم قد يأتي في بعض الأحيان من شيء غير مُتوقع لكن ترفع الإنسان وغروره عن المُعلم الحق استمر بعد ذلك عند تتابع الأنبياء والرُسل عليهم وقد جاءت الأمثلة صريحة في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾
فقد اعترض كفار قريش على فكرة أن المُعلم الأعظم الذي جاء برسالة الرحمة من رب العالمين يمكن أن يكون واحدًا منهم بهذه البساطة. شخص يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وليس معه ملائكة مرئيين وليس له كنز أو بستان.
لقد كان الغراب اختبارًا من قبل على تواضع الإنسان المعرفي ومن بعده جاء الأنبياء وكانوا الاختبار نفسه ولكن على مستوى أكبر. وفي كل الأحوال لم يدرك عمق الرسالة إلا القليل.
لقد تعمدت الحكمة الإلهية كسر تصورات البشر عن الشكل الذي يجب أن تأتي به الحقيقة عندما كان موسى عليه السلام رضيعًا في صندوق وعندما كان يوسف عبدًا للبيع وعندما عاش أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتيمًا وقد تعرض للأذى من قومه. حتى أن اليهودية التي حاولت تسميمه قالت (إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك). وكأن الأنبياء ليسوا بشرًا يتألمون ويمرضون كما نمرض إلا أن رحمة الله تسبق الأقدار.
وعندما أراد الله أن تتجلى قدرته للبشر، جعل سليمان عليه السلام ملكًا له من المُلك ما لم يؤت أحدًا بعده. إذن فليس للمُعلم المُبلغ للرسالة أن يكون في وضع واحد دائمًا. وأن الكون كله يمكن أن يكون معلمًا إذا أراد الله ذلك.
فكم من نصيحة أو علم رفضناه اليوم لأننا لم نعجب بهيئة قائلها ولم ننتبه للعبرة من الدرس نفسه وكأننا لا زلنا نكرر نفس المشهد الأول في التاريخ ولكن بأقنعة مختلفة وأسماء جديدة. وفي كل زمان يعود السؤال نفسه بأشكال متعددة: هل الحقيقة تُقاس بمن يقولها أم بما تحمله من صدق؟ وهل الحكمة تفقد قيمتها إذا خرجت من فم بسيط أو يد غير متوقعة؟ أم أن المشكلة دائمًا في أعين من ينظر لا في عين ما يُقال؟ لقد كان الإنسان دائمًا يميل إلى تصديق الصورة قبل الفكرة، والشكل قبل المعنى، حتى أصبح معيار القبول عنده مرتبطًا بالمظهر أكثر من الجوهر. لذلك لم يكن غريبًا أن يرفض بعضهم دعوة الحق لأن حاملها لا يملك ما تخيلوه من
مظاهر القوة أو الثراء أو المكانة الاجتماعية.
ولو تأملنا في سير كثير من الناس الذين غيروا التاريخ، سنجد أنهم في بداياتهم لم يكونوا من أصحاب الهيئات التي تُبهر الآخرين، ومع ذلك حملوا أفكارًا غيرت مسار أجيال كاملة.
وهنا يظهر سؤال أعمق: كم من أبواب للوعي أُغلقت لأننا اشترطنا أن تأتي المعرفة في الصورة التي نرتاح لها مسبقًا؟
وفي الختام أود أن أختم بمقولة رائعة لشمس الدين التبريزي حيث قال: يوجد معلمون مزيّفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر عدداً من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين. فالمُعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة…وإعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تقدّر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف