تلبيس إبليس على العمال والموظفين
6 مايو، 2026
قضايا وأحكام

بقلم / الدكتور : محمد جمال أبو سنينة
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
مدير المركز القانوني لفض النزاعات
المحاضر في الجامعة الإسلامية بمنسوتا
الحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ وبعد:
بمناسبة اليوم العالمي للعمال كتبت هذا المقال موعظة وذكرى للذاكرين:
يتعرض العامل أثناء عمله إلى فتن كثيرة بسبب جهله بالأحكام الشرعية، وربما بعله؛ كما قال تعالى: “أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً” سورة فاطر: 8، وقوله تعالى: ” قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً” سورة الكهف: 103-104.
فرأيت أن من الواجب بيان بعض الأحكام الشرعية لبعض الصور المحرمة قد يظن العامل أنها حسنة أو مباحة أو أنها من حقه، ولنسمي الأشياء بأسمائها:
1- الرشوة :
تجد بعض الناس يتعاملون بالرشوة، وإذا سُئل؛ قال: أعلم أن هذه رشوة، فهذا آثم ويأكل من حرام ونذكره بقوله تعال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ” سورة النساء: 29، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما” أخرجه الحاكم (٤/ ٢٠٣) رقم (٧١٤٧)، وتجد آخرين يتعاملون بالرشوة، فإذا نهيتهم قالوا: هذه ليست رشوة، إنما هي هدية مقابل إنجازي لطلبه، أو تقديراً لجهودي، أو مراعاة لظروفي وضعف راتبي.
وقد تُقدم الرشوة عن طريق الخدمات وتبادل المصالح أي خدمة مقابل خدمة، أو تكون الرشوة بالترقيات والتسهيلات سواء كانت داخل العمل أو خارجه، إلى غير ذلك من الصور التي يبحثون بها عن مبررات كقولهم أن الهدية مستحبة لقوله صلى الله عليه وسلم “تهادوا؛ فإن الهدية تُذهب وحَرَ الصدر” أخرجه الترمذي برقم (2130) ، وإلى هؤلاء أقول: اتقوا الله وضعوا النصوص في مواضعها، فالفرق بين الهدية والرشوة كبير. وقد ألف فيه الإمام عبد الغنى النابلسي كتابه” تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية”، فالرشوة تعطى لينال بها باطلا ويتوصل بها إلى ظلم أو يتقرب بها إلى ضياع حق أو تأييد باطل، ولا تكون بطيب نفس، بخلاف الهدية فإنها بطيب نفس.
وأما العامل فلا تجوز له الهدية كما في الصحيحين فقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية علي الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى لي، قال: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحدكم منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله علي رقبته إذا كان بعيراً له رغاء، وبقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت (ثلاثاً) أخرجه البخاري: في كتاب الأحكام، باب الهدايا للعمال (رقم 7174) ومسلم: في كتاب الإمارة، باب هدايا العمال (رقم 1832) ، قال النووي: وفى هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول لأنه خان في ولايته وأمانته، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية، وأنها بسبب الولاية، ينظر: المجموع شرح المهذب/النووي، 20/130، وقال الخطابي: في هذا بيان أن هدايا العمال سحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة وإنما يهدى إليه للمحاباة، وليخفف عن المهدي؛ ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة منه وضياع للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله، ينظر: معالم السنن/الخطابي، 3/8.
وذكر البخاري في صحيحه في باب من لم يقبل الهدية لعلة، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:” كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، واليوم رشوة” صحيح البخاري، 3/159، وعن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر تفاحا فقال: ” لو أن عندنا شيئا من تفاح، فإنه طيب، فقام رجل من أهله فأهدى إليه تفاحا، فلما جاء به الرسول قال: ما أطيبه وأطيب ريحه، وأحسنه، ارفع يا غلام، واقرأ على فلان السلام وقل له: إن هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب، قال عمرو بن مهاجر: فقلت له: يا أمير المؤمنين، ابن عمك رجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، قال: “إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية، وهي لنا رشوة”، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء/ الأصبهاني، 5/294.
2- الخروج من الدوام:
ساعات العمل، هل هي من حق العامل يخرج كيف يشاء ما دام يؤدى واجبات وظيفته، أم هي لصاحب العمل ولا يجوز أن يغادر العامل المكان إلا بإذنه أم أن في المسألة تفصيل؟ وبداية أقول أن المؤمنين عند شروطهم، والعقد شريعة المتعاقدين ما لم يكن إثما، وهو الفاصل في المسألة، وتفصيله على النحو التالي:
• إذا كان العقد ينص علي أن الأجر مقابل الإنتاج وبموصفات معلومة، والعبرة بالإنتاج فللعامل أن يتصرف في وقته ما يشاء ما لم يخل بشرط الإنتاج.
• وإذا كان العقد ينص علي عمل محدد، وشرط صاحب العمل وجود العامل بالمكان لإنجاز عمله وفى حالة تأخره عن العمل أو انصرافه قبل الوقت بغير إذن يتعرض إلى المخالفة القانونية، فلا يجوز له ترك مكان العمل المتفق عليه إلا بإذن صاحب العمل، وهذا ما تعمل به شركات القطاع الخاص والعام، إلا إنه تطبق القوانين في القطاع الخاص، ويتهاون ويتحايل عليها في القطاع العام لأن الرقابة ضعيفة، ونتيجة لفساد نظام بعض الحكومات، وعدم توظيف عمالها التوظيف الأمثل، مما أدى لظهور البطالة المقنعة والتكدس في المكاتب، والروتين القاتل الذي يعطل المصالح، ويشق علي الناس.
3- استغلال المال العام في المصالح الشخصية:
العامل أو الموظف مهما علا منصبه فهو أجير في ولايته، وخادم لشعبه، ومؤتمن على عهدته، ويحرم عليه استغلال هذه العهدة أو المال العام في مصالحة الخاصة؛ أو نهبه باسم القانون بالطرق الملتوية، فالسيارة والتليفون والأوراق والأدوات والمعدات الثقيلة والخفيفة والسيارة؛ وكل ما أوتمن عليه من أجل أداء وظيفته يحرم استغلالها لأمور شخصية، وقد يلبس عليه إبليس بأن النظام يسمح له، ورئيسه يأذن له، فأقول له اتق الله، فهذا عطاء أو إذن من لا يملك لمن لا يستحق، فأنت ورئيسك وإن علا أجراء، واعلم أن المال العام ملك للأمة والشعب، ليس لك فيه إلا مرتبك، واحذر أن يعتدى عليه أو ينقص منه بالطرق الملتوية، فإن الضرر سيصيبك وإن لم تكن من المعتدين، حيث أنك رأيت المعتدين عليه ولم تحرك ساكنا، وكان بإمكانك أن تنهاهم وان تزجرهم، وأن تقدم لهم النصح، ألم تعلم أنك مسؤول ومؤتمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”، أخرجه البخاري (برقم 2554)، ومسلم (برقم 1829) قال العلماء الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، المنهاج شرح صحيح مسلم/النووي، 12/214.
فانتبه أخي الموظف وكن منضبطا مع المال العام ولا تستخدمه إلا فيما أوقف عليه، وتعامل معه برفق وحافظ عليه كأنه مالك الخاص. وأذكر بما جاء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة” فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك”، أخرجه مسلم (برقم 137)، فما بالك لو كان حق المسلمين جميعاً، ثم الاعتداء أزيد من قضيب الأراك.
وإياك إياك أيها الموظف المؤتمن: أن تمكن غيرك من المال العام، أو تيسر له سبل الاعتداء عليه مقابل هدية أو عمولة أو ترقية، فإنها رشوة، ولا يجوز للموظفين كباراً وصغاراً أن يستغلوا مناصبهم في الإثراء باسم العمولات أو الهدايا فقد علم كل ذي عقل وذي ضمير أنها رشوة.
واقتد بسلف الأمة في المحافظة على المال العام، فهذا أبو بكر رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال لعائشة رضي الله عنها: أما إنا منذ تولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم علي ظهورنا، وليس عندنا من فئ قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بها إلى عمر وابرئي منهم، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من جاء بعده، المصدر: . الصاحب والخليفة أبو بكر الصديق/راغب السرجاني ، 5/3.
وهذا عمر رضي الله عنه، مرض يوما فوصفوا له العسل دواء، وكان في بيت المال عسل جاء من بعض البلاد المفتوحة فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحه الأطباء حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس، إن أذنتم لي وإلا فهو حرام، فبكى الناس إشفاقاً عليه وأذنوا له جميعاً، فمضى بعضهم يقول لبعض لله درك يا عمر لقد أتعبت الخلفاء بعدك، ينظر: الطبقات الكبرى/ابن سعد، 3/ 257.
ومنع أهله من الاستفادة من المرافق العامة، فعن ابن عمر قال: اشتريت إبلا وارتجعتها إلى الحمى ، فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه السوق فرأى إبلا سماناً، فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ بخ ابن أمير المؤمنين، قال: فجئته أسعى، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل؟ قال : قلت: إبل أنضاء، اشتريتها، وبعثت بها إلى الحمى، أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر، اغد على رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين، السنن الكبرى/البيهقي، 6/147، (رقم 11481).
وهذا عمر بن عبد العزيز؛ اشتهى يومأً اللحم، فأرسل غلامه بقطعة يشويها ليأكلها فيقيم بذلك أوده فرجع الغلام بها سريعاً، فقال له عمر: أسرعت بها؟ قال: شويتها في نار المطبخ، وكان للمسلمين مطبخ يغذيهم ويعشيهم، فقال لغلامه: كلها يا بني، فإنك رزقتها ولم أرزقها” المصدر: موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق/ياسر عبد الرحمن، 1/150، لقد تورع عن أكلها لأنها شويت في مطبخ المسلمين، وتركها لغلامه لأنه واحد من الرعية له حق في المطبخ العام. إن في هذا لبلاغاً، وإنها لموعظة لقوم يعقلون.
4- المشاركة في الفساد بصورة مباشرة أو غير مباشرة:
يشارك بعض العمال في الفساد بصور متنوعة، فقد يكون بصورة مباشرة وفيها يشارك أهل الفساد في كل شيء؛ من إقرار باطل ودفاع عنه، واقتسام مال مسروق، أو تعدى علي حقوق الآخرين، ويجاهر بذلك كله، فهذا أمره واضح، ووزره ثقيل، (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) سورة التوبة: 67، وقد تكون المشاركة بالسكوت على ظلمهم، أو بغض الطرف عنهم؛ لأنهم يسرقون بحيل القانون، أو يسهل لهم في فسادهم لأنه كما يقولون “عبد مأمور” ونحو ذلك من الصور، ويلبس عليه إبليس عمله فيقول له: إنك لا تأخذ من سرقتهم شيئا، وهم المسئولون أمام الله، أو هذا أمر لا يعنيني، أو هذا هو النظام السائد، ولن أصلح الكون، أو أن هذا يسبب كره زملائي لي، أو غير ذلك من المبررات الشيطانية السلبية، وأُذكر هؤلاء بقوله تعالى: “وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ” سورة هود: 113، وقوله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” سورة المائدة: 2، وقال صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر، فهو يُنزع منها بذَنَبه” أخرجه أبو داود (برقم 5118)، وليحذر أن يكون إمعة، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: ” لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا”، أخرجه البزار (برقم 2802).
5- عدم إتقان العمل وقله الإنتاج عمداً:
ويتم ذلك بدعاوى كاذبة، منها أن صاحب العمل لا يستحق لكونه (غنى، أو غير مسلم، أو فاسق وظالم) أو لأني لن أنال زيادة في الأجر إن أحسنت، فالأمر سواء خاصة موظف الحكومة، أو لماذا أبذل الجهد والنظام العام فاسد، ونحو ذلك من الدعاوى، وإلى هؤلاء أقول: اتقوا الله فالإحسان في العمل وجودة الإنتاج يجب أن نراقب فيه الله عز وجل سواء أثنى الناس أم لم يثنوا، وسواء أخذت حوافز أو أجراً إضافياً أو لم آخذ، فكل ذرة عمل تبذلها في الخير لن تضيع عليك، فمن يعمل مثقال ذرة خير يره، والذي يجتهد في تحسين وإتقان عمله يعينه الله؛ قال تعالى: “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا” سورة العنكبوت: 69، كما أن إتقان العمل ليس له علاقة بدين أو خلق صاحب العمل، بل علاقته بعقد العمل، حيث يأخذ العامل أجراً مقابل أداء عمل، ومن الأمانة في العمل أن يؤديه العامل على الوجه الأكمل حتى يكون أجره حلالاً.
هذا والحمد لله رب العالمين