بقلم : د. طه عبد الحافظ أحمد الوزيري
الكثير يهيلون على حسنات التصوف التراب معللين ذلك بأن أئمة التصوف لا يحذّرون الناس من البدع، بل إن البعض يتهمهم بأنهم يدعون إلى البدعة ويميتون السنة، ولذلك فهم لا يعترفون بحسناتهم حتى لا يغتر الناس بسيئاتهم!
هذا القول فيه تحامل كبير على الأئمة من الصوفية، نعم هناك الكثير من الجهال الذين نصّبوا أنفسهم شيوخا، أو نصبهم الجهال شيوخا، كل همهم في الحياة إماتة السنة، لأن أكل عيشهم على البدع –كما يقال-.
ولكن هناك الكثير من شيوخ الطرق الصوفية كانوا يحاربون البدع بكامل قوتهم، بل إن سهام غضبهم كانوا يصوّبونها اتجاه الصوفية المبتدعة، بل إن لهجتهم في ذلك كانت أشد وأصدق في كثير من الأحيان من خصومهم، وانظر ما قاله الشيخ الصوفي عمران أحمد عمران( ) تحت عنوان (بدع صوفية العصر): “أما التصوف في عصرنا اليوم فقد أصبح زيه حبالة للدنيا وشباكة يصاد بها قلوب من لا يعرفون من الدين إلا اسمه، وما هو إلا اغترارات بأباطيل يختلقها الجاهل وتمسكات بخزعبلات يفتريها المدّعون، وأمر الصدق قد قلّ حتى صار أندر من الكبريت الأحمر، والنصح في الله لفساد الطوايا تعذر، وإن أمر التصوف الآن ما هو إلا من القواضي على الإسلام ببدع الأوغاد، ومع ذلك لا يخلو الوقت من الكاملين المستنّين بسنة سيد المرسلين المحافظين على شرع رب العالمين…” (نور البيان في الكشف عن بدع آخر الزمان للشيخ عمران، صـ99).
فانظر إلى هذا الإمام –وهو شيخ من شيوخ الطرق الصوفية في العصر الحديث-، انظر إليه وإلى أسلوبه في مهاجمة أهل البدع ممن ينتسبون إلى التصوف، أفبعد ذلك يعمم الحكم على كل شيوخ التصوف بأنهم دعاة البدع؟
إن الشيخ بعد ذلك أخذ يعدد بدع من يُنصّبون أنفسهم شيوخا للعامة وقد ذكر منها:
• أن يكون شيخ الطريق جاهلا، لا يعرف الفرق بين السنة والبدعة، ولا بين الولي والنبي.
• دعوى الوصول ومخالطة النساء والخلوة بالجميلات…
• عدم استماع من يدّعون المشيخة لنصح الناصحين وتكبرهم وتعاليهم على ذلك.
• السعي إلى الشهرة وتكثير المريدين.
• منع المريدين من حضور مجالس العلم حتى لا يكتشفوا جهله.
• دعوى الشرف والانتساب للحسن والحسين افتراء منهم.
• اختلاط الرجال بالنساء وخصوصا المرأة التي تدعي أنها شيخة عارفة.
• التمايل على صورة منكرة مع كشف عوراتهم بدعوى أنهم غائبون عن شعورهم وأنهم أهل حقيقة غير مقيدين برسوم الشريعة، ويقول الشيخ عمران بعدها: “كيف قدم هؤلاء الرعاع على مثل هذا الكلام مع شدة حرص الأكابر على الأخذ بالكتاب والسنة…”( ).
• لبس المرقعات تظاهرا بحال السلف، وتطويل اللحى وإمساك السبحات ليعتقد فيهم، ويقول الشيخ عمران بعدها: “فانظر رحمك الله إلى هؤلاء المنافقين الذين جعلوا التصوف زهوا وافتخارا، بل رقصا واختباطا وغرورا واغترارا،
ويرحم الله القائل:
ليـس التصوف لبس الصوف ترقعه ولا بكـــــاؤك إن غـنى المغــــنون
ولا صــياح ولا رقــــص ولا طــرب ولا اختــباط كأن قد صرت مجنون
بل التصــوف أن تصـــفو بلا كـــــدر وتتـبع الحـــق والقـــرآن و الـــدين
وأن تـــُرى خاشـــــــعا لله مكتــــــئبا على ذنوبك طـــول الدهــر محزون
فلو أن هؤلاء الجاهلين جالسوا خبراء الأمر وأخذوا عنهم لاهتدوا إلى سواء السبيل، ولكنهم جعلوا العلماء أعداءهم والشياطين أولياءهم فكان الضلال حليفهم”.
ومن أقوال الشيخ عمران بعد دعوة أتباعه أن ينفّروا الناس من البدع: “واعبسوا في وجه كل مبتدع” (نور البيان صـ 103).
هل قرأت كلاما صادقا منصفا يهدم بدع مدعي التصوف كهذا الكلام في قوته وجودته؟!
بل إنني أدعوك أن تقرأ ما قاله الشيخ عمران (شيخ الشاذلية الفاسيّة) عن بدع الموالد.
هل بعد هذه الكلمات التي تكتب بأحرف من نور في القضاء على البدعة وأهلها يقال بأن شيوخ الطريق يدعون إلى البدع والزندقة؟!
أين الإنصاف يا دعاة الأمة وشيوخها؟!
أعلم أن هناك من جثلت ريح الجهل عقله وسيرفض الاعتراف بقول الشيخ، وهناك مَن لن يطبق، فإلى الله المشتكى.
ونترك الآن شيخ الطريقة الشاذلية الفاسيّة لنذهب إلى علم من أعلام التصوف في العصر الحديث وهو الإمام محمد زكى إبراهيم (رائد العشيرة المحمدية)، لنرى وجهة نظره في البدع التي تحسب على الصوفية، هل من صميم التصوف أم أن التصوف منها براء؟ هل يؤيدها ويدعو إليها أم يحاربها ويسعى في هدمها؟
يقول رائد العشيرة المحمدية: “إن الطوائف على أنواعها في رأينا أربعة أقسام:
أما الأول: فالصوفية، وهم أمامنا طائفتان فقط مهما تعددت مشاربهم واختلفت أسماؤهم: طائفة شرعية، فهم أمة واحدة لا يفرقها تعدد الأسماء ولا اختلاف التقاليد ما دامت تكرع جميعا من نبع الشريعة الدفاق الطاهر على اجتهاداتها في الله علما وعملا….
ثم طائفة بدعية، فهي أمة واحدة على اختلاف أسمائها وألوانها وتقاليدها، لا يغني عنها من الله والناس ما تعتصم به من قشريات ورسميات، ودعاوى ودعايات، ونسأل الله لنا ولهم التبصير والهداية” (الفروع الخلافية للسيد محمد زكى إبراهيم ص105).
فالإمام هنا –وهو شيخ من شيوخ التصوف– يقرّ بأن هناك طائفة بدعية وينكر عليهم ذلك.
ويقول رائد العشيرة المحمدية: “وليس بشيء من التصوف هذا التخلف أو القعود أو الانطواء أو الانفرادية أو التقوقع أو التبلّه، فذلك جميعا ليس من الإسلام الذي هو خلافة الله على الأرض.
وبهذا نعرف أنه ليس من التصوف (الطبل والزمر والرقص) ومحرمات زيارة الأضرحة والمثالب الملحقة بالموالد، وتحريف اسم الله، والشطحات المفتعلة، أو الفلسفات المنحرفة، أو المبتدعات المتفق على إثمها ورفضها، أو الدروشة والتبلّه، أو ادعاء الكرامات والخوارق، أو القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، والضلال والتحريف، أو التعطل والبطالة أو نحو ذلك مما أجمع علماء التصوف والتسلف على مخالفتها للشريعة قولا واحدا، فكل هذا ساقط بالطبع والوضع من عداد تصوف أهل الله، فلا يحسب على أهل الحق ولا يؤاخذون به” (الفروع الخلافية للسيد محمد زكى إبراهيم ص 111: 116).
فهل بعد هذه الكلمات التي سطرتها يد شيخ من شيوخ التصوف يقال بأن شيوخ الصوفية يقرّون البدعة ويدعون لها؟!
لنترك رائد العشيرة المحمدية ونذهب إلى شيخ من شيوخ الصوفية، وهو الشيخ عبد القادر عيسى، واقرأوا معي كلماته التي يثبت فيها أن ما أنكره العلماء الأفذاذ على أدعياء التصوف هو عين ما ينكره أعلام التصوف.
يقول الشيخ عبد القادر عيسى: “لقد شوّه التصوف رجال مغرضون تزيّوا بزيه، وانتسبوا له، فأساءوا إليه بأقوالهم وأفعالهم وسيرتهم، والتصوف منهم براء.
فمن أجل خدمة الحق وإظهاره علينا أن نفرق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين السادة الصوفية الصادقين العارفين، وخصوصا الأئمة منهم الذين كانت لهم درجات عليا في الإيمان والتقوى والورع، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين والدعوة إلى الله -تعالى- في سائر العصور والبلدان وعلينا أن نقف وقفة رجل متمسك بشرعه ودينه ونقول: هناك فرق كبير بين التصوف والصوفي، وليس المتصوف بانحرافه وشذوذه ممثلا للتصوف، كما أن المسلم بأفعاله المنكرة ليس ممثلا لإسلامه ودينه.
ومتى كان في شريعة الحق والدين أن يؤاخذ الجار بظلم الجار؟ وأن يتحمل الإسلام في جوهره النقي أخطاء المسلمين المنحرفين؟ وأن تنسب إلى هذه الفئة الطيبة النقيّة أخطاء المتصوفة الشاذين؟
وإنكار بعض العلماء على أفعال شاذة منسوبة إلى الصوفية إنما يستهدف هؤلاء الغلاة المنحرفين من أدعياء التصوف، ولطالما حذر مرشدو الصوفية الناس منهم.
قال الشيخ أحمد زروق –رحمه الله تعالى- في كتابه قواعد التصوف: (فغلاة المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يردّ قولهم ويجتنب فعلهم، ولا يُترك المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيه) إلخ (قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق، قاعدة 35).
إن الخير والشر موجود في كل طائفة من الناس إلى يوم القيامة، فليس كل الصوفية سواء، كما أنه ليس كل العلماء والفقهاء والمدرسين والقضاة والتجار والأمراء سواء، إذ فيهم الصالح وفيهم الأصلح، وفيهم الفاسد وفيهم الأفسد، وهذا أمر ظاهر لا شبهة فيه عند الجمهور: اعرف الحق تعرف أهله، ويعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.
ونحن ننكر ما أنكره العلماء على هؤلاء الأدعياء من المتصوفة المنحرفين الشاذين عن دين الله تعالى، وأما المتمسكون بالكتاب والسنة، المستقيمون على شرع الله تعالى فهم الذين نعنيهم ونقتفي أثرهم” (حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى صـ356).
لنترك الآن الشيخ عبد القادر عيسى ونذهب إلى الدكتور الصوفي/ سعيد أبو الإسعاد، يقول تحت عنوان (التصوف بريء من هؤلاء الأدعياء الذين دسّهم الأعداء في صفوف الأصفياء): “أولا: الذين ادّعوا سقوط التكليف عنهم بدعوى قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} وفسروا اليقين هنا بمقام الحقيقة فهؤلاء مارقون من ربقة الإسلام…
ثانيا: الذين يأتون بمخالفات من أقوال وأفعال بدعوى أنها إلهام…
ثالثا: الكسالى المتثاقلون الذين يدعون إلى السلبية والتواكل: إن رجال التصوف أهل إعمار وأذكار فقد كان (عبد الله بن المبارك) يحج عاما ويجاهد عاما، وقد كان (شقيق البلخي) فارسا مغوارا يطلب الموت حتى استشهد في سبيل الله، وكذلك كان (حاتم الأصم) مقاتلا بارعا له في الجهاد مواقف وكرامات، وكان (أبو الحسن الشاذلي) صاحب مزارع وتجارات، وكذا (شمس الدين الدمياطي) الذي بنى برج دمياط من ماله الخاص ومن ريع تجارته…. نزل أحد المريدين على زاوية شيخ ضيفا، فأقراه ثلاثة أيام ثم قال له: يا ولدي لقد انتهت مدة الضيافة، فقال المريد: إنما جئت لأتصوف، قال الشيخ ليس التصوف عندنا أن تصف قدميك وغيرك يمون عليك، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما، ثم تصوف، ثم اجعل منشارك مسبحتك، واذكر على دقات الفأس والمكوك.
رابعا: الذين دأبوا على إثارة الفتن وتوسيع دائرة الخلاف بين المذاهب الإسلامية ورفض سياسة التقارب وتبني سياسة التباعد، يؤمن أهل التصوف بأن أهل القبلة جميعا إخوة.
خامسا: المتعصبون الجامحون المغالون: وهم الذين يهيمن عليهم الغلوّ، فيرفعون مشايخهم زورا إلى رتبة الصديقين وينزلون بالآخرين إلى أسفل المراتب، إن هذا الخُلُق لهو عصبية وضيعة طهر الإسلام من دنسها نفوس أتباعه.
سادسا: أهل الغلوّ في الطاعات بدعوى أن بغيتهم نهاية المقامات..
سابعا: الذين يحرفون أسماء الله الحسنى في حلقات الذكر، فإجماع أئمة التصوف على أنه حرام موبق، وحسبنا قوله: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فهنا أمر بالذكر مع نهي شديد عن تحريفه، والتحذير من الصلة بمن يحرفونه (أي: يلحدون فيه)، والإعلان بأنهم سيجزون بسوء عملهم فيكون هذا بمثابة إنذار ونهي شديد مكرر، وفي هذا يقول الشيخ الأخضري في أرجوزته الصوفية:
أبقوا من اسم الله حرف الهاء فألحــدوا في أعـظم الأسمـاء
لــقـد أتـــوا والله شيــــــئا إدّا تخــر منه الشامـــخات هــدّا
وخلاصة القول: لا ينبغي للمرء أن يكون عاطفيا تغرّه المظاهر فيقع في صحبة أدعياء التصوف دون أن يكون له ميزان شرعي صحيح وتفكير عقلي سليم، إذ ليس كل من ادّعى التصوف صار صوفيا مربيّا ولو تزيّا بزيّ المرشدين، كما أن ليس كل من لبس ثوب الأطباء في المستشفى صار طبيبا، لأن هذه ثياب يلبسها الممرّضون وغيرهم” (البيان الجازم أن التصوف لتزكية الإنسان نهج لازم، للدكتور سعيد أبو الأسعاد صـ 55 – 66 باختصار).
هذه الكلمات صادرة من علم من أعلام التصوف في العصر الحديث، فهل يأتي بعد ذلك كاذب أو مدلس أو جاهل ليقول: إن أئمة التصوف يشجعون البدع ولا ينهون عنها!
مجلة روح الاسلام فيض المعارف