إذا كان الطباع طباع سوء… فلا أدب يفيد ولا حليب

بقلم : د.  سعد عبد المعطي شعبان أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم

مما لا شك فيه أن يتأثر كل إنسان بطباع من يخالط ويعاشر من الخلطاء الجلساء حتى يغلب طبعه على طبع أخيه والعكس فقد حكى بعضهم قال :

كنت في سفر فضللت عن الطريق فرأيت بيتاً في الفلاة فأتيته فإذا به أعرابية فلما رأتني قالت : من تكون ؟ قلت : ضيف قالت: أهلاً ومرحباً بالضيف انزل على الرحب والسعة

قال: فنزلت فقدمت لي طعاماً فأكلت، وماء فشربت فبينما أنا على ذلك إذ أقبل صاحب البيت فقال : من هذا؟ فقالت: ضيف فقال : لا أهلاً ولا مرحباً ما لنا وللضيف فلما سمعت كلامه ركبت من ساعتي وسرت

فلما كان من الغد رأيت بيتاً في الفلاة فقصدته فإذا فيه أعرابية فلما رأتني قالت : من تكون ؟ قلت: ضيف قالت: لا أهلاً ولا مرحباً بالضيف ما لنا وللضيف

فبينما هي تكلمني إذ أقبل صاحب البيت فلما رآني قال : من هذا ؟ قالت: ضيف قال: مرحباً وأهلاً بالضيف ثم أتى بطعام حسن فأكلت وماء فشربت فتذكرت ما مر بي بالأمس فتبسمت فقال: مم تبسمك؟ فقصصت عليه ما اتفق لي مع تلك الأعرابية وبعلها وما سمعت منه ومن زوجته

فقال : لا تعجب إن تلك الأعرابية التي رأيتها هي أختي وإن بعلها أخو امرأتي هذه، فغلب على كل طبع أهله غلب على كل طبع أهله ..
انظر: مجمع الأمثال أبو الفضل النيسابوري. (1/238)
و”المستقصى في أمثال العرب” للزمخشري، (2/232)

وقد روى البيهقي في شعبه عن الأصمعي قال : دخلت البادية فإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وجرو ذئب مقع ، فنظرت إليها ، فقالت أتدري ما هذا ؟ قلت لا . قالت جرو ذئب أخذناه وأدخلناه بيتنا ، فلما كبر قتل شاتنا ، وقلت في ذلك . قلت ما هو ؟ فأنشدت :

بقرت شويهة وفجعت قلبي
 وكنت لشاتنا ابن ربيب

غذيت بدرها وربيت فينا

 فمن أنباك أن أباك ذيب

إذا كان الطباع طباع سوء

فلا أدب يفيد ولا حليب

ويشبه هذا ما ذكره البيهقي في آخر شعب الإيمان أيضا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه سأل يونس بن حبيب عن المثل المشهور (كمجير أم عامر) ، فقال كان من حديثه أن قوما خرجوا إلى الصيد في يوم حار ، فبينما هم كذلك إذ عرضت لهم أم عامر وهي الضبع فطردوها فأتعبتهم فألجئوها إلى خباء أعرابي ، فاقتحمت ، فخرج إليه الأعرابي فقال ما شأنكم ؟ فقالوا صيدنا وطريدتنا . قال كلا والذي نفسي بيده لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي . قال فرجعوا وتركوه فقام إلى لقحة يحلبها وقرب منها ذلك وقرب إليها ماء فأقبلت مرة تلغ من هذا ومرة من هذا حتى عاشت واستراحت . فبينما الأعرابي نائم في جوف بيته إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وشربت دمه وأكلت حشوته وتركته فجاء ابن عم له فوجده على تلك الصورة ، فالتفت إلى موضع الضبع فلم يرها . فقال صاحبتي والله وأخذ سيفه وكنانته وأتبعها فلم يزل يتبعها حتى أدركها فقتلها وأنشأ يقول

ومن يصنع المعروف مع غير أهله
 يلاقي الذي لاقى مجير ام عامر

أدام لهــا حـين استجــارت بقــربــه

 لهــا محــض ألبان القاح الدرائر

وأسمـــنها حتى إذا مــا تكـــامـلــت

فرتـــه بأنـيــاب لهـــا وأظــافــر

فقل لذوي المعروف هذا جزاء من

 يجود بمعروف على غير شـــاكر
انظر: “الجامع لشعب الإيمان (13/ 314) للبيهقي

اعمل وأخلص واحتسب واصبر ولا تنتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً واجعل شعارك قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّيتُم فَما سَأَلتُكُم مِن أَجرٍ إِن أَجرِيَ إِلّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: 72]
واعلم أن الطبع غلاب :
فإذا كان هذا في صنع المعروف في غير أهله، فكيف بمن فعل ما يضاد المعروف مع أصحاب طباع السوء والخيانة؟

قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَخونُوا اللَّهَ وَالرَّسولَ وَتَخونوا أَماناتِكُم وَأَنتُم تَعلَمونَ﴾ [الأنفال: 27]