ماذا يريد الإسلام من الفتاة المسلمة؟ (بين حقيقة التكليف ووهم التصورات)

بقلم الدكتور : محمد القاسم

ليس الإسلام مشروعًا شكليًا يطلب من الفتاة المسلمة مظهرًا محددًا فحسب، ولا منظومة قيود تُفرض عليها لتضييق مساحات حياتها، كما يُصوَّر أحيانًا في الخطابات السطحية أو الخصومية. بل هو بناءٌ متكاملٌ للإنسان: عقلًا، وقلبًا، وسلوكًا، ووظيفةً في الحياة.

إن السؤال الصحيح ليس: ماذا يُمنع على الفتاة المسلمة؟
بل: ماذا يُراد لها أن تكون؟

•• أول ما يريده الإسلام من الفتاة المسلمة هو تحقيق العبودية الواعية، لا العادة الموروثة. أن تعبد الله على بصيرة، لا على تقليدٍ أعمى. فالحجاب مثلًا ليس قطعة قماش، بل إعلان انتماء، وموقف وجودي، يربط الظاهر بالباطن. والصلاة ليست حركات، بل مركز إعادة ضبط يومي للروح.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فهذه هي الحقيقة الكبرى التي تُبنى عليها كل التفاصيل.

الإسلام لا يريد فتاة صالحة شكليًا، بل مؤمنة يقِظة، تعرف ماذا تفعل، ولماذا تفعل، ولمن تفعل.

•• ثم يأتي المستوى الثاني: بناء الوعي.
الإسلام لا يقبل بامرأةٍ فارغة فكريًا، سهلة التشكيل، تتلقف ما يُلقى إليها من منصات الإعلام دون تمحيص. بل يريدها ناقدة، مميزة، قادرة على الفرز بين الحق والزيف، بين القيمة والاستهلاك، بين الحرية الحقيقية والاستغلال المغلف.
وقد قرر القرآن هذا المعنى حين قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
الفتاة المسلمة في التصور الإسلامي ليست تابعة ذهنيًا، بل فاعلة معرفيًا، تشارك في تشكيل وعي المجتمع، لا مجرد انعكاس له.

•• أما على مستوى السلوك، فالإسلام يؤسس لمنظومة العفة بمعناها الشامل، لا المختزل.

العفة ليست فقط في الجسد، بل في:

– النظر: فلا تبتذل عينيها فيما يُسقط القيمة. قال تعالى: “وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ
(النور الٱية 31)
– اللسان: فلا تجعل حديثها وسيلة جذب أو إثارة. قال تعالى: “فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا” (سورة الأحزاب الآية 32)
– الحضور الرقمي: فلا تتحول إلى محتوى يُستهلك.
هنا تقع الإشكالية المعاصرة: حيث تُختزل قيمة الفتاة في مدى قدرتها على لفت الانتباه. بينما الإسلام يعيد تعريف القيمة: الاحترام قبل الإعجاب، والثبات قبل الانتشار.
وقد قال النبي ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير» [متفق عليه، البخاري (6117 ) بمعناه، ومسلم (37) ]. فجعل الحياء أصلًا جامعًا لكل مظاهر الرقي الخُلقي.

•• ومن أهم ما يريده الإسلام أيضًا: تحرير الفتاة من العبوديات الحديثة.
عبودية الصورة، وعبودية القبول الاجتماعي، وعبودية المقارنات.
كم من فتاةٍ اليوم لا تعيش لنفسها، بل لعيون الآخرين!
تُقوّم ذاتها بعدد الإعجابات، وتعيد تشكيل ملامحها لتناسب معايير لا تؤمن بها أصلًا.

الإسلام هنا لا يقيدها، بل يحررها:
يقول لها: قيمتك ثابتة لا تُقاس، وكرامتك ليست موضوع تصويت.

•• ثم نصل إلى جانبٍ كثيرًا ما يُساء فهمه: (الدور).
الإسلام لا يحصر الفتاة في زاوية ضيقة، ولا يذيبها في أدوار الآخرين.
بل يعطيها مساحة متوازنة:
– أن تكون متعلمة.
– واعية.
– مؤثرة.
– حاضرة في مجتمعها.
لكن دون أن تفقد مركزها الأخلاقي أو هويتها.

•• فالنجاح في التصور الإسلامي ليس صعودًا مهنيًا مجردًا، بل تكامل إنساني:
أن تنجح دون أن تنكسر، وأن تبرز دون أن تبتذل، وأن تحضر دون أن تذوب.

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

•• ومن أخطر الانحرافات المعاصرة: تصوير الالتزام كأنه صراع مع الحياة، أو أن التدين يعني الانسحاب من الواقع.
وهذا طرح فاشل؛ لأنه يصنع ازدواجية: إما دين أو حياة.
بينما الإسلام يقول بوضوح: الدين هو الذي يُحسن إدارة الحياة.

•• الفتاة المسلمة ليست مطالبة أن تعيش في عزلة، بل أن تعيش بوعي.
وليست مطالبة أن تُلغى، بل أن تُضبط.

•• وفي النهاية، فإن الإسلام لا يريد من الفتاة أن تكون نسخة مثالية متخيلة، بل إنسانًا صادقًا في طريقه.
تخطئ فتستغفر، وتضعف فتقوم، وتتعلم فتتغير.
فالمعيار ليس الكمال، بل الاتجاه.

•• إن أعظم ما يريده الإسلام من الفتاة المسلمة هو أن تدرك حقيقتها:
أنها ليست رقمًا في مجتمع، ولا صورة في شاشة، بل أمانة تحمل رسالة.
فإن فهمت ذلك، استقامت حياتها، واتزن حضورها، وصارت عنصر بناء لا استهلاك.
وحينها فقط…
لا تعود تسأل: ماذا يريد مني الإسلام؟
بل تقول: هذا ما خُلقت لأجله.