المدارس التبشيرية ـ غرس التبعية عبر التعليم

 

المقال الخامس والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 لعل من أخطر ما جاءت به البعثات التبشيرية إلى بلادنا هو المدرسة بوصفها مصنعًا لإنتاج جيل جديد يرى العالم بعين الغرب، ويفكر بلغته، ويتبنى قيمه. لقد أدركت هذه البعثات باكرًا أن العقل الناشئ هو الميدان الأخصب للاختراق، وأن من يربح عقول الأطفال يربح مستقبل الأمة كله. وهكذا تحولت المدارس التبشيرية إلى واحدة من أخطر جيوش الظل في العصر الحديث، لأنها لم تكتفِ بتغيير السياسة أو التأثير في الاقتصاد، بل أعادت تشكيل وعي أجيال كاملة تحت ستار التعليم والمعرفة.

لقد كانت البداية عبر تقديم التعليم كمكسب إنساني. ففي وقت كانت فيه الدولة العثمانية المتعبة تعجز عن تلبية حاجات التعليم في الأطراف والقرى، جاء المبشرون يقدمون مدارس مجهزة، بمناهج حديثة، ومبانٍ أنيقة، ومعلمين يتحدثون بلغات أوروبية. كان الآباء يرون في هذه المدارس فرصة لأبنائهم كي “يتعلموا” ويضمنوا مستقبلًا أفضل، لكن ما لم يدركوه أن هذه المدارس لم تكن محايدة، بل أدوات اختراق ثقافي تغرس قيمًا مغايرة لهوية الأمة.

ففي هذه المدارس لم يكن التعليم يقتصر على الرياضيات والعلوم، بل كان يتضمن قصصًا مختارة بعناية، وأغاني دينية ذات طابع تبشيري، ودروسًا في “الأخلاق” تنزع الدين المحلي من النفوس وتستبدله بقيم غربية. وكان تعليم اللغة الأجنبية، خصوصًا الفرنسية والإنجليزية، جزءًا أساسيًا، لأنه كان المفتاح لربط العقول بالعالم الغربي مباشرة، ولعزلها عن لغتها الأم وثقافتها الأصلية. ومع الوقت، صار خريجو هذه المدارس يتحدثون لغة الغريب بطلاقة، بينما يتهجّون نصوص القرآن أو الأدب العربي بصعوبة. هذه ليست مصادفة، بل سياسة مقصودة لصناعة نخبة متغرّبة.

ولم يكن دور هذه المدارس يقتصر على التعليم فقط، بل كانت أيضًا مراكز لتجنيد النخب. فمن بين طلابها خرج سياسيون، وصحفيون، ورجال أعمال، صاروا لاحقًا واجهة لمصالح الغرب في بلادهم. لقد تم إعدادهم منذ الصغر ليكون ولاؤهم للغرب قبل أوطانهم. وهكذا لم يعد الاحتلال بحاجة إلى إرسال جيوش ضخمة، بل كان يكفي أن يحكم من خلال أبناء البلد أنفسهم الذين تربوا في مدارسه التبشيرية.

ومن أخطر آثار هذه المدارس أنها خلقت انقسامًا ثقافيًا عميقًا داخل المجتمعات. فبينما ظل عامة الناس مرتبطين بالمدارس التقليدية (الكتاتيب أو التعليم الديني)، كانت النخب الجديدة تتخرج من المدارس التبشيرية وهي ترى نفسها “أرقى” وأفضل من مجتمعها. هذا الشعور بالتفوق جعلها تحتقر تقاليدها، وتعتبر دينها وتراثها عبئًا على التقدم. وهكذا صنعت المدارس التبشيرية جدارًا نفسيًا بين النخبة والجماهير، جدارًا ظل قائمًا حتى بعد رحيل الاستعمار المباشر.

وما يزيد الأمر خطورة أن هذه المدارس لم تتوقف مع نهاية الانتداب أو الاستعمار، بل استمرت تعمل حتى اليوم تحت أسماء مختلفة: مدارس أجنبية، أو دولية، أو خاصة. لكنها تحمل الجوهر نفسه: إعادة إنتاج نخبة منقطعة عن هويتها، متصلة بالغرب أكثر من اتصالها بأمتها.

إن المدارس التبشيرية إذن لم تكن مجرد مؤسسات تعليمية، بل مصانع لإنتاج جيوش ظل فكرية وثقافية. جيوش لا تحمل سلاحًا، لكنها أخطر من أي جيش، لأنها تسلب الأمة عقول أبنائها، وتعيد تشكيلهم ليكونوا وكلاءً للغرب في الداخل. لقد كانت هذه المدارس، ولا تزال، أداة من أدوات “الاستعمار الناعم”، الذي لا يحتاج إلى احتلال عسكري طالما أن النخب التي تحكم البلاد تربت في أحضانه منذ الصغر.