منهج ابن عباس رضي الله عنه في مناظرة الخوارج
19 أكتوبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم: د. عبد الله الشقرة
مقدمة
حين يريد المصلحون والمخلصون الذين يؤمنون بالوسطية والاعتدال مواجهة أصحاب الأفكار المتطرفة المعاصرة، فلابد لهم من الاقتداء بأحد أعظم من ناظر الخوارج الأوائل وأبطل حجتهم، وفنّد كل أباطيلهم، وأظهر كل أكاذيبهم، حتى تاب إلى الله على يديه عددٌ كبيرٌ منهم، وعصم الله به وبحجته المباركة دماءً بريئةً كان سيتم إراقتها على يد هؤلاء الجهلاء.
إنه الصحابي الجليل، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حَبْرُ الأمةِ وتُرجمان القرآن، سيدنا “عبدالله بن عباس” رضي الله عنهما، فهو أعظم وأقوى من ناظر الخوارج الأوائل الذين كفّروا سيدنا “علي بن أبي طالب” كرّم الله وجهه، والصحابة الكرام، فأعطى لنا رضي الله عنه دروساً عظيمةً في الثبات على الحق، وقوة الحُجة والبيان، وأهمية العلم والمعرفة، ورجاحة العقل وقوة الشخصية، وفضل العلم الراسخ، والحكمة في العرض، والجرأة في المبادرة، والجمال في المظهر، والعمق في الاستدلال.
فأظهر بكل قوة وشجاعة وذكاء ودهاء وحكمة وفهمٍ عالٍ، كيف تكون المناظرة، وكيف يكون النقاش، وكيف تهتم بأدق التفاصيل، وكيف تدافع عن الحق، وكيف يكون المنهج الصحيح مصدر قوة، وكيف تناظر وتنتصر بجدارة وبراعة، بدون خوف أو تردد وسط انتشار الإرهاب والتخويف، والجهل والتقليد الأعمى والتدليس والافتراء.
أحداث القصة والمناظرة التاريخية
حين اجتمع الخوارج في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد بلغوا سبعةً آلاف رجل على أرجح الروايات، طلب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الإذن من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يخرج إليهم فيناظرهم، فخاف عليٌ رضي الله عنه وخشي عليه من بطشهم وتعصبهم، لكن ابن عباس كان يرى أن المبادرة والمواجهة هما الطريق الأولى والأسبق في إطفاء الفتنة من المواجهة المسلحة.
فذهب إليهم بنفسه ودخل عليهم مكان تواجدهم متجملاً بلباسٍ حسن، فاستغربوا مظهره، فذكّرهم بأن رسول الله قد لبس أجمل الثياب، وأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾.
ثم ذكرهم ابن عباس بأنه جاء من عند أمير المؤمنين وصهر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن عند المهاجرين والأنصار، وهم أهل العلم والسابقة، فلم ير بينهم أحدًا من هؤلاء، في إشارة واضحة إلى أنهم انعزلوا عن الجماعة الكبرى للأمة، وادعوا لأنفسهم فهمًا خاصًّا لم يشهد لهم به أحد من العلماء الراسخين.
فسألهم لماذا تنقمون على عليٍ رضي الله عنه، فقالوا: ننقم عليه ثلاثًا:
حكّم الرجال في أمر الله.
وقاتل ولم يَسبِ ولم يَغنَمْ.
ومحا اسمه من أمير المؤمنين.
فقال ابن عباس: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: لا، حسبنا هذا.
تفنيد الشبهات بالحجة والبرهان
الشبهة الأولى: تحكيم الرجال
فقال: أما قولكم: حكّم الرجال في أمر الله، فقد قال الله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فِي ثَمَنِ صَيْدٍ، وقال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، فالله جعل إلى الرجال الحكم في مسائل أقل شأناً، أفلا يجوز ذلك في الدّماء وحقن الأرواح؟ قالوا: بلَى.
الشبهة الثانية: القتال بدون سبي أو غنائم
قال: وأما الثانية، فإنكم قاتلتم أمكم عائشة، وقال الله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، فإن قلتم ليست أمنا فقد كفرتم، وإن أقررتم أنها أمنا فلا يحلُّ سباؤها ولا استباحة مالها، فسكتوا.
الشبهة الثالثة: محو صفة أمير المؤمنين
ثم قال: وأما الثالثة، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الحديبية كتب: «محمد رسول الله»، فقال المشركون: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال: «اللهم إنك تعلم أني رسولك» ثم قال لعلي: «امح رسول الله»، واكتب «محمد بن عبد الله»، فوالله ما نقص ذلك من نبوته شيئا، قالوا: نعم.
دروس وعبر في مواجهة الفكر المتطر
وفي هذه المناظرة المهمة والجوهرية، عدة دروس عظيمة وعبر قيّمة لجميع من يدير الانتصار للحق والوسطية ومواجهة التطرف والغلو، فقد أقام ابن عباس رضي الله عنه الحجة على هؤلاء الضالين من وجوه متعددة وقضايا محورية تمثل دستوراً في الحوار مع الغلاة والمتطرفين:
المبادرة بالحوار: فابن عباس لم ينتظر حتى يطرقوا الأبواب بالسيوف، بل خرج هو إليهم بالحجة، وهذه قاعدة في معالجة الفكر المتطرف، أن المواجهة الفكرية الاستباقية أكثر نفعا وأسرع إطفاء للفتن من الانتظار حتى تقع الكارثة.
استدعاء الحس الجمالي في مقابل الغلظة والجمود: مظهره الأنيق لم يكن شكلا بلا مضمون، بل كان رسالة بأن الدين لا يحرم الزينة، وأن التشدد في المظهر انعكاس لتشدد في الباطن، وهو ما نجده اليوم في التيارات المتطرفة التي تتعمد المبالغة في المظاهر لتكريس صورة التدين القاسي الجامد.
الاحتكام إلى مرجعية جماعة المسلمين الأولى: فقد واجههم بأنهم ليس فيهم أحدٌ من المهاجرين ولا الأنصار، ليبين لهم أنهم يفتقدون للسند العلمي المُعتبَر، وفي ذلك دلالة على أن عزل الفكر المتطرف عن محيطه العلمي والاجتماعي يكشف هشاشته ويمنع تغلغله في الأمة.
تفكيك الأصول لا الاقتصار على الفروع فقط: فابن عباس رضي الله عنه لم يكتف بالرد على نتائج فكرهم، بل عاد إلى المقدمات التي بنوا عليها، أوضح أن خطأهم المنهجي في التعامل مع النصوص هو الذي أوقعهم في هذه الانحرافات، فهم يأخذون آية واحدة ويتركون نظائرها، ويقطعون النصوص من سياقاتها، وهذه هي الطريقة التي تسلكها الجماعات المتطرفة المعاصرة.
ضبط الدعوى قبل الرد عليها: فقد استوثق منهم على اعتراضاتهم الحقيقية، ثم أعاد عرضها بأمانة قبل أن يفندها، ليثبت أنه لم يحرف أقوالهم، ولم يبن رده على توهمات، وهذا المنهج العلمي الراسخ صار فيما بعد أصلا في علم الكلام والمناظرات، حيث يضبط قول الخصم ثم يُبطل بالحجة.
كشف القضية المركزية التي أدت إلى انحرافهم: إنها قضية الحاكمية، فهي لب فكر الخوارج في تكفير مخالفيهم بحجة الحكم بغير ما أنزل الله، وهي نفس القضية التي عادت الجماعات المتطرفة المعاصرة لإحيائها، وجعلتها شعاراً مركزيا، لكن ابن عباس علمنا أن العلاج لا يكون بمناوشة الشعارات، وإنما بتصحيح المنهج الاستدلالي نفسه.
مراجع البحث
الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين – تأليف أ. د. أسامة السيد الأزهري.
المدخل إلى أصول الفكر المتطرف (حماية الهوية وتفكيك المفاهيم) – تأليف أ. حسين القاضي.