المساواة أمام الموت.. بين نبل الشريعة وسلوكيات البشر
11 سبتمبر، 2026
حوارات وتحقيقات

بقلم د/ عبدالفتاح سعيد وزير
الباحث بجامعة الأزهر الشريف
إن مجاملة الغني حتى على شفير القبر هي ضلال في الفهم وغفلة عن الحق. ويبقى الميزان الصادق ما قاله النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلى صُوَرِكُم وَأَمْوالِكُم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُم وَأَعْمَالِكُم»
واقعاً مؤلماً يشهد بعمق أزمة القيم حين يطغى التقديس الدنيوي للمال حتى على مهابة الموت؛ فتتحول الجنائز في أعين العوام إلى مواسم للتملق والمجاملة، بدلاً من أن تكون مواقف للخشوع والاعتبار.
يهرع الناس خلف جنازة الغني لا شفقةً به ولا طلباً للأجر، بل طمعاً في رضا الأحياء من ورائه أو مجاملةً لخاصته، متناسين أن المتوفى أصبح بين يدي ربٍ لا يُظلم عنده أحد، وأن جموع المشيعين لن تزيده عند الله إلا بقدر صدق دعائهم له.
بينما يُحمل الفقير إلى رمسه بعدد يقتصر على أهله المخلصين، في مشهد يحسبه أهل الدنيا خمولاً وقجَلاً، ولكنه في الحقيقة أقرب إلى الخلوص والإخلاص؛ فمن مشى خلفه لم يبتغِ إلا وجه الله ودعوةً صالحة بظهر الغيب.
خلق الله تعالى البشر من أصل واحد، وجعل المقياس الوحيد للتفاضل بينهم هو التقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . ولم يتجلَّ هذا المبدأ القرآني في شيء كما تجلَّى في لحظة النهاية؛ فالغني والفقير يُلفَّان في كفن أبيض متشابه، ويُوسَّدان في ذات التراب، حيث لا تنفع الأموال ولا الألقاب.
غير أن النفس البشرية -حين تبتعد عن روح الدين- تحاول إضفاء مظاهر التفاخر الجاهلي حتى في تشييع الجنائز؛ فيُحتفى بالثرِيّ ويُزفّ بمواكب التملق، بينما يُشيَّع الفقير في صمت وغربة. هذا السلوك ليس إلا امتداداً للطبقية الجاهلية التي حاربها الإسلام وقوَّض أركانها.
تجلت خطورة النفاق الاجتماعي والمحاباة في الحديث الشريف الذي أشرتَ إليه، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ» وبيّن النبي ﷺ أن مجاملة الأغنياء على حساب الحق والعدل سبباً لخراب الأمم وهلاكها.
كرامة الضعفاء والفقراء في الهدي النبوي:
ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في توقير الفقراء والمستضعفين. وفي قصّـة المرأة السوداء التي كانت تقمّ (تكنس) المسجد، تجلّت الرعاية النبوية الصادقة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها رسول الله ﷺ، فسأل عنها، فقالوا: ماتت. قال: «أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» (أي أعلمتموني)، فكأنهم صغّروا أمرها، فقال: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»، فدلوه، فصلّى عليها
فالصحابة رضي الله عنهم ظنوا بثرائهم الفكري البشري أن شأنها يسير بسبب فقرها وحالها، لكن الهدي النبوي جاء ليعلّم الأمة أن قدر المؤمن عند الله ليس بجاهه ولا بماله، وإنما بإخلاصه وعمله.
الميزان الحقيقي ليس بركام الخُطى خلف النعش، بل بطيب الأثر وصالح العمل؛ فكم من جنازة مهيبة على الأرض خفيفة في الميزان، وكم من جنازة غريبة في الدنيا مشهودة ومستبشر بها في السماء
وأعجب في أن:
التراب واحد والأعمال هي الفارق: يدسّ الجميع في القبر نفسه، ولن يُسأل الميت في قبره عن رصيده البنكي أو عدد المشيعين خلفه، بل عن ربه ودينه ونبيه وعمله.
شؤم النفاق الاجتماعي: التملق للأغنياء في المحيا والممات يُمرض القلوب، ويُوجد الضغينة في نفوس الفقراء، ويخالف المقصد الشرعي من تشييع الجنائز، وهو الاتعاظ والدعاء للميت بالرحمة.
اعتبار الموت واعظاً: الجنازة المتبوعة بالبهارج والمباهاة تفقد قيمتها الروحية كواعظ للمحيين، وتحول الموقف من خشوع واستحضار للآخرة إلى استعراض دنيوي فارغ.
وصلى اللهم على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا