كذبة السلفية الوهابية بدعوى انتقال الاشعرى إلى الكلابية




بقلم د : عصام الطيب

إن من أكثر الدعاوى تكرارًا عند بعض الوهابية والسلفية المعاصرة قولهم إن الإمام لما خرج من الاعتزال لم يرجع إلى مذهب السلف، وإنما انتقل فقط إلى “الكلابية”، وأن عبدالله بن كلاب هو الذي أدخل التأويل في الفكر الإسلامي، ثم تأثر به الأشعري وأخذ عنه هذا المنهج.

وهذه الدعوى فيها تدليس تاريخي وعلمي واضح، لأن التأويل لم يبتدعه ابن كلاب أصلًا، ولم يكن غريبًا عن الصحابة ولا التابعين، بل هو موجود في كلام السلف أنفسهم، وإنما جاء المتأخرون فحاولوا تصوير الأمر كأن الأمة ظلت ألف سنة على ظاهرية جامدة حتى جاء الأشاعرة!

والحقيقة أن هذا الكلام لا يصمد أمام النقل الثابت عن السلف.

فالتأويل بمعناه الصحيح — صرف اللفظ عن ظاهره المتوهم إلى معنى يليق بالله أو تدل عليه اللغة والقرائن — كما هو معروف عند الصحابة والتابعين والأئمة قبل ابن كلاب وقبل الأشعري بقرون.

فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن، أوّل بعض آيات الصفات.

ففي قوله تعالى:

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾

فسر ابن عباس “الساق” بالشدة والكرب، ولم يحملها على ظاهر الجارحة والأعضاء.

فهل كان ابن عباس “كلابيًا”؟!

وفي قوله تعالى:

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾

فسر “بأيد” بالقوة، لا بالأعضاء والجوارح.

وكذلك في قوله تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

فسر كثير من السلف المعية بالعلم والإحاطة، لا بالمخالطة والجلوس والانتقال.

وهذا هو عين التأويل الذي يهاجمونه اليوم!

بل حتى أم المؤمنين أولت بعض النصوص وردت الفهم الظاهري المتوهم.

ففي حديث رؤية النبي ﷺ لربه، أنكرت حمل النصوص على الرؤية البصرية المطلقة، واستدلت بقوله تعالى:

﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾

وهذا استعمال للتنزيه وصرف لما قد يتوهمه البعض من الظاهر.

وكذلك كان منهج أئمة السلف الكبار قائمًا على التنزيه وعدم إجراء ظواهر التجسيم على ظاهرها الحسي.

فالإمام لما سئل عن الاستواء قال:

“الاستواء معلوم، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”.

فهو لم يقل: الاستواء جلوس أو قعود أو انتقال، بل نفى الكيفية الحسية التي يتخيلها المجسمة.

وكذلك كان ينهى عن الخوض في الكيف والتشبيه، حتى إن كبار الحنابلة المتقدمين كالقاضي أبي يعلى وابن الجوزي نقلوا إنكار السلف للتجسيم وإثبات الجوارح.

ثم يأتي بعض المعاصرين ليصوروا للناس أن كل تأويل بدعة محدثة!

والعجيب أن هؤلاء أنفسهم يقعون في التأويل اضطرارًا.

فعندما يأتون إلى قوله تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

لا يقولون إن الله مختلط بالخلق في كل مكان، بل يؤولونها بالعلم أو الإحاطة.

وعندما يأتون إلى قوله:

﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾

لا يقولون إن السفينة داخل عين حقيقية!

وعندما يأتون إلى حديث:

“قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن”

لا يفهمون منه الأصابع البشرية المعروفة.

فإذا أول غيرهم صاحوا: تعطيل!

وإذا أولوا هم قالوا: هذا تفسير صحيح!

أما الإمام الأشعري، فتصويره على أنه مجرد ناقل لعقيدة ابن كلاب تصوير كاذب مضلل .

فالأشعري لم يكن “نسخة” من ابن كلاب، بل كان إمامًا مستقلاً بنى مدرسة كاملة في العقيدة دافعت عن أهل السنة ضد المعتزلة والمجسمة والخوارج والباطنية.

وقد انتسب إلى مذهبه جمهور علماء الأمة:

كالبيهقي، والنووي، والعز بن عبد السلام، والفخر الرازي، والقرطبي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وغيرهم.

فهل هؤلاء كلهم خرجوا عن عقيدة السلف؟!

بل حتى كبار علماء الأزهر عبر القرون قرروا أن الأشاعرة والماتريدية هم جمهور أهل السنة والجماعة.

ومن التدليس أيضًا محاولة جعل “الكلابية” وكأنها فرقة ضالة خارجة عن الإسلام، فقط لأن ابن كلاب رد على المعتزلة وأثبت الصفات مع التنزيه.

والحقيقة أن كثيرًا من القضايا التي ينسبونها لابن كلاب موجودة أصلًا عند أئمة السلف قبله.

فالقضية ليست من ، أول من أول ؟، بل القضية أن السلف أنفسهم فهموا أن نصوص الصفات ليست على ظواهر الأجسام والجوارح، وأن لله تعالى من التنزيه والكمال ما يمنع حمل النصوص على المعاني الحسية البشرية.

ولهذا كان منهج أهل السنة الحقيقي قائمًا على أمرين:

الإثبات بلا تجسيم،

والتنزيه بلا تعطيل.

أما تحويل العقيدة إلى ألفاظ حسية توهم الجوارح والحدود والحركة والجلوس، ثم اتهام كل من نزه الله عن خلقه ، أنه “معطل”، فليس هذا مذهب السلف، بل هو انحراف محدث أنكره جميع العلماء عبر التاريخ .

  فالخلاصة:

التأويل ليس اختراعًا أشعريًا ولا كلابيًا،

بل له أصل ثابت عند الصحابة والتابعين والسلف،

والإمام الأشعري إنما سار على أصل التنزيه الموجود في الأمة، ودافع عنه بعلم ومنهج، حتى صار مذهبه مذهب جمهور علماء أهل السنة عبر القرون.