من علامات الشقاء أن تعلم أن لك ربًّا غفورًا ولا تستغفره

بقلم الشيخ / حسين السمنودي 

من علامات الشقاء أن يعيش الإنسان وهو يعلم أن له ربًّا غفورًا،

يعلم أنه ربٌّ يغفر الذنوب، ويستر العيوب، ويقبل التائبين،

ويعلم أن أبواب رحمته لا تُغلق في وجه من عاد إليه منكسرًا،

ثم يظل بعيدًا، مثقلًا بالذنوب، ولا يحرك لسانه بالاستغفار.

يا لها من خسارة لا يشعر بها إلا قلبٌ ماتت فيه مشاعر الرجوع،

ويا له من شقاء أن تعرف طريق الله ثم تختار أن تسير بعيدًا،

أن تعرف أن لك ربًّا يسمع أنينك قبل أن تنطق، ويرى دمعتك،

ثم تستحي من الناس إذا أخطأت، ولا تستحي من رب الناس.

كم مرة أخطأنا ولم يفضحنا الله؟

كم مرة عصيناه وكان قادرًا على أن يكشف سترنا أمام خلقه؟

كم مرةً نمنا بعد الذنب، ثم استيقظنا والستر ما زال فوقنا؟

كم مرةً أمهلنا ونحن نؤجل التوبة من يوم إلى يوم؟

يا الله… كم أنت رحيم بنا ونحن لا نشعر!

نحن الذين نذنب في الخفاء، وأنت تعلم خفايا القلوب،

ونحن الذين نغلق الأبواب على أنفسنا ونظن أننا وحدنا،

بينما عينك لا يغيب عنها شيء، ولا تخفى عليك خافية،

ومع ذلك لا تزال تستر، ولا تزال ترزق، ولا تزال تمهل.

نحن الذين نأكل من رزقك، ونشرب من عطائك، ونعيش في نعمتك،

ثم نستخدم بعض ما أعطيتنا في غير ما يرضيك،

ونعود بعد ذلك فنطلب منك المزيد، وكأننا لم نعصك قط،

فأيُّ حلمٍ هذا؟ وأيُّ كرمٍ هذا؟ وأيُّ رحمةٍ هذه؟

لو أن الناس عرفوا بعض ما في صحائفنا لخجلنا من أنفسنا،

ولو عرف أقرب الناس إلينا ما نخفيه خلف ابتساماتنا،

لربما تغيّرت نظراتهم إلينا، ولربما ابتعد كثيرون عنا،

لكن الله يعلم كل شيء، ومع ذلك لم يطردنا من رحمته.

الله يعلم الذنب الذي نسيته أنت، ولا يزال يعلمك طريق التوبة.

الله يعلم اللحظة التي خذلت فيها نفسك، ولا يزال يعطيك فرصة.

الله يعلم عدد المرات التي قلت فيها: سأتوب غدًا،

ثم جاء الغد، وبعده غد، وأنت ما زلت كما أنت.

ومع ذلك ما زال قلبك ينبض، ولسانك يستطيع أن يقول: أستغفر الله.

فماذا تنتظر؟

هل تنتظر أن تصبح بلا ذنوب حتى تستغفر؟

وهل ينتظر الطبيب أن يكون المريض صحيحًا حتى يعالجه؟

وهل تنتظر الرحمة عبدًا لا يحتاج إليها؟

إنما الاستغفار وُجد لأننا نخطئ، ولأننا نضعف، ولأننا بشر.

ليس العيب أن تسقط، فالعار كل العار أن تحب السقوط.

ليس العيب أن تخطئ، وإنما المصيبة أن تخطئ ولا تندم.

ليس العيب أن تضعف أمام نفسك، وإنما الشقاء أن تستسلم لضعفك.

وليس الشقاء أن يكون لك ذنب، وإنما الشقاء أن يكون لك ربٌّ غفور

ثم تترك الاستغفار، وكأن المغفرة لا تعنيك، وكأن الرحمة لا تخصك.

يا ابن آدم، كم مرة قلت: عندما أرتاح سأتوب؟

وعندما تنتهي مشاكلي سأقترب من الله؟

وعندما أكبر سأترك ما أنا فيه؟

وعندما تهدأ الدنيا سأفتح المصحف وأعود إلى ربي؟

ومن قال لك إنك ستصل إلى كل ذلك؟

من أعطاك وعدًا بأن الغد سيكون من نصيبك؟

كم من إنسانٍ خرج من بيته صباحًا ولم يعد إليه؟

وكم من إنسانٍ نام وهو يخطط للغد، فأصبح الغد بلا صاحب؟

وكم من إنسانٍ كان يؤجل التوبة حتى جاءه الموت قبل موعدها؟

الموت لا ينتظر أن تنتهي مشاغلك.

لا ينتظر أن تسدد ديونك.

لا ينتظر أن تكبر أولادك.

لا ينتظر أن تنتهي تجارتك.

ولا ينتظر أن تقول: الآن أصبحت مستعدًا.

قد يأتيك في لحظة لا تتوقعها، ويأخذ منك كل شيء،

ثم لا يبقى معك إلا عملك، ولا يبقى في يدك إلا صحيفتك.

هناك لن تنفعك أموالك، ولا شهرتك، ولا منصبك،

ولا عدد الذين يعرفونك، ولا عدد الذين أحببتهم في الدنيا،

لن يبقى معك إلا ما قدمته بين يدي الله.

فكيف تكون صحيفتك؟

هل فيها صلاةٌ خاشعة؟

هل فيها صدقةٌ أخفيتها عن الناس؟

هل فيها قلبٌ جبرته بعدما كُسر؟

هل فيها مظلومٌ رددت إليه حقه؟

هل فيها دمعةٌ نزلت خوفًا من الله؟

هل فيها استغفارٌ صادق خرج من قلبٍ منكسر؟

أم أن فيها ذنوبًا كثيرة كنت تقول عنها: سأستغفر لاحقًا؟

آهٍ من كلمة “لاحقًا”…

كم أضاعت هذه الكلمة من أعمارنا!

لاحقًا أتوب.

لاحقًا أصلي.

لاحقًا أعتذر.

لاحقًا أرد الحقوق.

لاحقًا أستغفر.

ثم يأتي الموت، فلا يكون هناك لاحقًا.

يأتي يومٌ يصبح فيه ما كان مؤجلًا مستحيلًا،

ويصبح الندم حاضرًا، والعمل غائبًا، والفرصة منتهية.

فلا تؤجل الاستغفار.

قلها الآن.

أستغفر الله.

قلها وأنت مثقلٌ بالذنوب.

قلها وأنت تشعر أنك بعيد.

قلها حتى لو كنت قد أذنبت بالأمس.

قلها حتى لو أذنبت اليوم.

قلها حتى لو كنت قد وعدت الله بالتوبة ثم ضعفت وعدت.

فربك لا يطلب منك أن تكون ملكًا لا يخطئ،

وإنما يريد منك أن تكون عبدًا إذا أخطأ عاد، وإذا زلَّ استغفر،

وإذا ابتعد اشتاق، وإذا ضلَّ بحث عن الطريق،

وإذا بكى ذنبه لم يسمح لليأس أن يهزمه.

لا تجعل الشيطان يخدعك مرتين.

لا تجعله يدفعك إلى الذنب، ثم يقنعك أنك لا تستحق التوبة.

هذه لعبته القديمة.

يقول لك قبل الذنب: افعل، فلن يحدث شيء.

فإذا فعلت، قال لك: لقد انتهيت، لن يغفر الله لك.

والحقيقة أنك لم تنتهِ ما دمت حيًّا.

ما دام في صدرك نفس، فهناك فرصة.

ما دام لسانك يتحرك، فهناك استغفار.

ما دامت عيناك تدمعان، فهناك توبة.

وما زلت تستطيع أن تقول: يا رب.

وهذه الكلمة وحدها أعظم مما تتخيل.

يا رب…

كم يحتاجها قلبنا!

يا رب، نحن لسنا صالحين كما ينبغي.

يا رب، نحن نعرف تقصيرنا، ونخجل من ذنوبنا.

يا رب، كم مرة سترتنا ونحن لا نستحق الستر!

وكم مرة أعطيتنا ونحن لا نستحق العطاء!

وكم مرة أمهلتنا وكان يمكن أن تنتهي المهلة!

وكم مرة بعثت لنا من يذكرنا بك، ثم انشغلنا عنه وعن كلامه!

يا رب، لا تجعل كثرة ذنوبنا سببًا في يأسنا منك،

واجعل معرفتنا بسعة رحمتك سببًا في عودتنا إليك.

يا رب، لا تقبض أرواحنا ونحن مصرون على معصية،

ولا تجعل آخر أيامنا في الدنيا أيام غفلة وقسوة،

واجعل لنا قبل الموت توبة، وقبل القبر نورًا،

وقبل الحساب رحمة، وعند الوقوف بين يديك مغفرة.

يا من تقرأ الآن، لا تستهِن بالاستغفار.

ربما تقولها اليوم بلا شعور، ثم يفتح الله بها قلبك غدًا.

ربما تكون كلمة واحدة سببًا في أن تتغير حياتك كلها.

ربما يكون استغفارك الليلة هو آخر عمل صالح تكتبه الملائكة لك.

وربما تكون آخر كلمة تقولها قبل أن تغادر الدنيا.

فقلها كثيرًا، لا لأنك معصوم من الذنب،

بل لأنك تعرف أنك لا تستطيع أن تعيش دون رحمة الله.

قل: أستغفر الله عن كل صلاةٍ ضيعتها.

أستغفر الله عن كل قلبٍ ظلمته.

أستغفر الله عن كل كلمةٍ جرحت بها إنسانًا.

أستغفر الله عن كل نعمةٍ لم أشكرها.

أستغفر الله عن كل نظرةٍ لا ترضيه.

أستغفر الله عن كل لحظةٍ نسيت فيها أنه يراني.

أستغفر الله عن كل ذنبٍ أعرفه، وعن كل ذنبٍ نسيته.

أستغفر الله عن سنواتٍ مرت من عمري ولم أكن فيها كما يحب.

أستغفر الله عن كل مرةٍ سمعت فيها نداء الخير ثم أعرضت.

أستغفر الله عن قلبي حين قسا، وعن روحي حين غفلت،

وعن نفسي حين أطاعت هواها أكثر مما أطاعت ربها.

ثم قلها وأنت تبكي:

يا رب، لا أريد أن أموت وأنا بعيد عنك.

يا رب، لا أريد أن ألقاك وأنا أحمل ما لا أستطيع حمله.

يا رب، طهّر قلبي قبل أن أُدفن في التراب.

يا رب، اغفر لي قبل أن يأتي اليوم الذي أتمنى فيه العودة فلا أستطيع.

وتذكر دائمًا أن الإنسان قد يملك كل شيء في الدنيا،

ثم يكتشف في آخر الطريق أنه كان يحتاج شيئًا واحدًا فقط:

قلبًا يعرف الله، ولسانًا لا يمل من الاستغفار.

فلا تكن غنيًا بالدنيا فقيرًا إلى الله.

ولا تكن قويًا أمام الناس ضعيفًا أمام ذنوبك.

ولا تجعل صورتك أمام الخلق أجمل من حقيقتك أمام الخالق.

اصلح ما بينك وبين الله، يصلح الله ما بينك وبين نفسك.

وإذا ضاقت بك الدنيا، فلا تبحث عن كل الأبواب،

اذهب إلى الباب الذي لا يُغلق، والرب الذي لا يمل من عودة عبده.

اذهب إلى الله.

قل: أستغفر الله.

ثم قلها مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

ثم ابكِ إن استطعت.

فربما كانت دمعتك هذه هي بداية نجاتك.

وربما كانت هذه اللحظة هي اللحظة التي كتب الله فيها لك عمرًا جديدًا،

لا عمرًا جديدًا في عدد السنوات، وإنما عمرًا جديدًا في الطاعة والقرب،

عمرًا تشعر فيه لأول مرة أن قلبك وجد مكانه الحقيقي،

وأن روحك لم تكن تحتاج الدنيا بقدر ما كانت تحتاج رب الدنيا.

يا رب…

إن جئناك بذنوبنا فلا تردنا.

وإن جئناك بضعفنا فقوِّنا.

وإن جئناك بقلوبنا المكسورة فاجبرها.

وإن جئناك بعينٍ باكية فاقبل دمعتها.

وإن جئناك تائبين فلا تردنا إلى ما كنا عليه.

وإن كان في صحائفنا ما يخجلنا، فاستره عنا يوم العرض عليك.

وإن كان لنا ذنبٌ لا يعلمه إلا أنت، فاغفره لنا.

وإن كان لنا حقٌّ عند أحد، فأعنّا على رده.

وإن كان في قلوبنا ظلمٌ لأحد، فأصلح قلوبنا قبل أن نلقاك.

يا رب، لا تجعلنا ممن عاشوا طويلًا ولم يعرفوا لماذا عاشوا،

ولا تجعلنا ممن ماتوا فجأةً وهم يقولون: غدًا أتوب.

اللهم اجعلنا ممن إذا أذنبوا استغفروا، وإذا غفلوا تذكروا،

وإذا ابتعدوا عادوا، وإذا ضعفوا لجؤوا إليك، وإذا بكوا بين يديك،

وجدوا بابك مفتوحًا، ورحمتك أوسع من ذنوبهم.

وفي النهاية، لا يبقى للعبد إلا حقيقة واحدة لا يستطيع الهروب منها:

أن الدنيا مهما طالت ‍ قصيرة، وأن العمر مهما امتد راحل،

وأن القبر ينتظر كل إنسان، وأن الصحيفة ستُفتح يومًا،

وأن أجمل ما يمكن أن يلقى به العبد ربه قلبٌ تائب ولسانٌ مستغفر.

فلا تنتظر الموت حتى تعرف قيمة الاستغفار.

ولا تنتظر المرض حتى تعرف قيمة الصحة.

ولا تنتظر الفقد حتى تعرف قيمة من حولك.

ولا تنتظر القبر حتى تتمنى سجدةً أخرى.

ولا تنتظر يوم القيامة حتى تقول: يا ليتني قدمت لحياتي.

أنت الآن حيّ.

وهذه اللحظة ملكك.

وهذا النفس نعمة.

وهذا القلب الذي بين ضلوعك لم يُغلق بابه بعد.

فاستغفر.

استغفر كأنك لا تملك من الدنيا إلا هذه الكلمة.

استغفر وأنت تعلم أنك مذنب، لكنك تعرف أن ربك غفور.

استغفر وأنت خائف، لكنك تعرف أن رحمته أوسع.

استغفر وأنت تبكي، لأنك لا تريد أن يكون آخر عهدك بالله هو الغفلة.

ثم ارفع رأسك وقل من أعماق قلبك:

يا رب… إن لم تغفر لي فمن يغفر لي؟

وإن لم ترحمني فمن يرحمني؟

وإن لم تقبلني وأنا عبدك، فإلى من أذهب؟

يا رب، جئتك فقيرًا إلى رحمتك، فلا تردني.

جئتك مثقلًا بالذنوب، فخفف عني.

جئتك منكسرًا، فاجبرني.

جئتك نادمًا، فاقبل توبتي.

يا رب، اغفر لي قبل أن يأتي يوم لا أستطيع فيه أن أستغفر.

فوالله…

ما أشقى عبدًا يعرف أن له ربًّا غفورًا،

ثم يترك لسانه صامتًا، وقلبه قاسيًا، وذنوبه فوق ظهره.

وما أسعد عبدًا عرف قدر نفسه، وعرف عظمة ربه،

فكلما أذنب عاد، وكلما غفل استغفر، وكلما سقط نهض،

وظل حتى آخر لحظة من عمره يردد: 

أستغفر الله العظيم… وأتوب إليه.