محبة آل البيت.. محبةٌ للنبي ووفاءٌ لرسالته

بقلم الشيخ / عمر عبد اللاه
خطيب بوزارة الأوقاف المصرية

مقدمة

الحمد لله رب العالمين الذي أرسل إلينا خير خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله على حضرته، وترضى إلاهنا عن آل بيته وصحابته مصابيح الهداية وأنوار العطاء الموصول إلى يوم القيامة.

وبعد؛ اعلم أخي القارئ أن محبة آل بيت النبي صلى الله على حضرته ليست مجرد عاطفة عابرة، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما هي معنى إيماني رفيع، اتصل بمحبة رسول الله صلى الله على حضرته، وتعلّق بتعظيم ما عظّمه الشرع، والوفاء لأهل بيتٍ شرّفهم الله بالقرب من سيدنا رسول الله صلى الله على حضرته.

وقد عرفت الأمة الإسلامية منذ صدرها الأول مكانة وعظمة وفضل آل بيت النبي، فكان حبهم وإكرامهم وتعظيم قدرهم من المعاني التي توارثها المسلمون جيلًا بعد جيل، فبهم نصرالدين ،وبهم رفع اللواء ، وعلي عواتقهم حملوا أمانة الرسالة، ومن نور فضلهم استمر العطاء الرباني ،فهم سفينة النجاة.

آل البيت.. قرابةٌ اتصل شرفها برسول الله

حين نتحدث عن آل بيت النبي صلى الله على حضرته، فإننا نتحدث عن بيتٍ كان رسول الله صلى الله على حضرته قلبه وروحه ونوره، وعن قرابةٍ لها من رسول الله نسبٌ ومكانة.

ومن أعظم ما يبين مكانة أهل البيت قول الله تعالى:

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}

وقد وردت أحاديث صحيحة في بيان فضل أهل البيت، ومنها حديث الكساء الذي جمع فيه النبي صلى الله على حضرته سيدنا عليًا وسيدتنا فاطمة وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضي الله عنهم، ودعا لهم.

وهؤلاء من أعلام أهل بيت النبوة الذين اجتمعت فيهم فضائل النسب والطهر والقرب من سيدنا رسول الله صلى الله على حضرته.

المحبة التي لا تعرف الغلو

ومحبة آل البيت لا تعني أن نرفعهم فوق منزلتهم التي شرعها الله لهم، كما لا تعني أن نجعل محبتهم بابًا للطعن في أصحاب رسول الله رضي الله عنهم.

إنما المحبة الصادقة هي أن نعرف لكل ذي فضل فضله، وأن نضع الناس في منازلهم التي وضعهم الله ورسوله فيها.

فنحب آل بيت النبي، ونوقر الصحابة، ونترضى عن أمهات المؤمنين، ونحفظ لرسول الله صلى الله على حضرته حقه في محبة آله وأصحابه جميعًا.

وهذه هي المحبة التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتقرّب القلوب من رسول الله بدل أن تجعل محبته سببًا للخصومة بين المسلمين.

«أذكركم الله في أهل بيتي»

ومن أبلغ الوصايا النبوية ما جاء عن سيدنا زيد بن أرقم رضي الله عنه في حديثه عن خطبة النبي صلى الله على حضرته، حيث قال:

«وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي».

وقد كررها النبي صلى الله على حضرته، تأكيدًا لعظيم حقهم ومكانتهم.

فإذا كان رسول الله صلى الله على حضرته قد أوصانا بأهل بيته، فكيف يليق بالمحب أن يسمع هذه الوصية ثم لا يكون في قلبه لهم محبة ولا توقير؟

إن محبة آل البيت من الوفاء لرسول الله، ومن حسن الأدب معه، ومن تعظيم ما عظّمه صلى الله على حضرته.

بين النسب والعمل

ومع ذلك، فإن الإسلام لم يجعل النسب وحده ميزان التفاضل بين الناس، وإنما جعل التقوى والعمل الصالح أساس الكرامة عند الله.

قال تعالى:

{إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

فمحبة آل البيت لا تعني إعفاء الإنسان من مسؤولية العمل والطاعة، وإنما تعني محبتهم مع التزام منهج الإسلام.

ولهذا كان من أجمل صور المحبة أن نتعلم من أخلاق آل البيت: من شجاعة سيدنا علي رضي الله عنه، ومن رحمة سيدنا الحسن، ومن صبر سيدنا الحسين، ومن طهر السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأن تتحول المحبة من كلمات تُقال إلى أخلاق تُعاش.

«قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى»

ومن الآيات التي دار حول تفسيرها كلام طويل بين المفسرين قول الله تعالى:

{قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

وقد نقل الإمام ابن كثير عدة أقوال في تفسير الآية، ومن بينها تفسيرها بمودة قرابة النبي صلى الله على حضرته، كما نقل أقوالًا أخرى في معناها؛ ولذلك ينبغي عند الاستدلال بها أن نذكر أقوال أهل التفسير بأمانة، دون أن نجعل آية واحدة سببًا للخصومة أو النزاع.

والمعنى الأوسع الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في قلوبنا هو أن رسول الله صلى الله على حضرته ليس شخصًا عاديًا في وجدان المسلم؛ إنه نبي الرحمة، وحبيب الله، ومن أكرم الله به البشرية، ومن الوفاء له أن نحب من أحبه ونكرم من أوصى بإكرامهم.

محبة آل البيت.. أدب قبل أن تكون شعارًا

إذا كانت المحبة صادقة، فإنها تظهر في الأدب.

فمن أحب آل البيت لم يجعل محبتهم سببًا للسب والشتم والخصومة، ولم يحول تاريخ الأمة إلى ساحة للكراهية، ولم يجعل الانتساب إليهم بابًا للتكبر على عباد الله.

وإنما يقول:

نحب آل بيت رسول الله صلى الله على حضرته، ونحفظ لهم قدرهم، ونعرف فضلهم، ونترضى عن الصحابة الكرام، ونحب أمهات المؤمنين، ونحفظ لعلماء الأمة مكانتهم.

فالإسلام أوسع من أن تختصره الخصومات، وأجمل من أن تتحول محبة آل البيت فيه إلى وسيلة للفرقة.

آل البيت مدرسة في المحبة

إن الحديث عن آل البيت ليس حديثًا عن صفحات من التاريخ فحسب، وإنما هو حديث عن مدرسة أخلاقية وإيمانية.

ففي سيرتهم معاني الصبر، والكرم، والشجاعة، والعبادة، والتواضع، والوفاء.

ومن أحب سيدنا الحسين رضي الله عنه، فليتعلم من سيرته الصبر والثبات على الحق.

ومن أحب سيدنا الحسن رضي الله عنه، فليتعلم معنى الإصلاح وجمع الكلمة.

ومن أحب سيدنا عليًا رضي الله عنه، فليتعلم العلم والشجاعة والكرم.

ومن أحب السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فليتعلم الطهر والحياء والعبادة والصبر.

وهكذا تتحول المحبة من مجرد عاطفة إلى منهج حياة.

خاتمة

يا محبي آل بيت رسول الله صلى الله على حضرته، اجعلوا محبتكم لهم جسرًا إلى محبة جدهم المصطفى صلى الله على حضرته، واجعلوا محبتكم أخلاقًا ورحمةً ووفاءً.

فآل البيت ليسوا عنوانًا للفرقة، وإنما هم جزء كريم من البيت المحمدي الذي اجتمعت عليه قلوب المسلمين.

وما أجمل أن يعيش المسلم وقلبه يقول:

اللهم ارزقنا حب نبيك صلى الله على حضرته، وحب آل بيته، وحب أصحابه، وحسن الأدب معهم، واجعل محبتنا لهم طريقًا إلى محبتك ورضوانك.

فالمحبة الحقيقية ليست أن تقول: «أنا أحب آل البيت» فحسب، وإنما أن تجعل هذا الحب يزكي قلبك، ويهذب لسانك، ويحسن أخلاقك، ويقودك إلى الخير.

وهنا تكون محبة آل البيت وفاءً للنبي، وأدبًا مع النبوة، وطريقًا إلى الله سبحانه وتعالى.