تهنئية للناجحين والناحجات

بقلم : د/ مدحت علي أحمد وربي
من علماء الأزهر الشريف والأوقاف المصرية

إن البشرلا يشبعون أبداً من النجاح وفي هَذِهِ الأَيَّامِ تظهرت نتائج الناجحين يوما بعد يوم والبنين وَالبَنَاتٌ مَسرُورِينَ مُبتَهِجِينَ، يَكَادُونَ يَطِيرُونَ فَرَحًا وَفَخرًا.

النجاح هو: اسمٌ برَّاق متوهِّج يخطَفُ الأبصارَ، ويأخذ بالألباب، يتمنَّاه الكل، ولكن ليس الكل يطلبه ؛ إنما النجاح حصريا للناجحين .

والنجاح يأتي بالنجاح كما أن المال يأتي بالمال والطاعة تأتي بالطاعة والنجاح سلالم لا يستطيع أن يرتقيها إنسان ويداه في جيبه، وكل شخص علي وجه الأرض يحب النجاح بلا شك ، ويحب أن يكون متفوقاً على أقرانه وزملائه . وهذه سنة الله تعالي في خلقه.

وفي طريق النجاح لا توجد إشارات تحدد السرعة القصوى ومن عرف لماذا فشل سيفهم ويعرف كيف ينجح .

ولن يصل الناسُ إلى حديقة النجاح المليئة بالفرح والسرور دون أن يمروا بمحطات التعب والجد والاجتهاد والصبر و إذا وقع أو سقط قام سريعا ..

ومن لم يذق مرّ التعلّم ساعةً : تجرع ذل الجهل طول حياته .

ومن فاته التعليمُ وقت شبابه : فكبّر عليه أربعاً لوفاته .

أما الناجح هو: شخص اختار أن لا يفشل واختار طريق العلم والتعلَّم والصبر والجد .

والناجح :إنسان ركِب قطارًا سيصل به حتمًا للسعادة والسرور. والناجح :جبلٌ راسٍ راسخ ثابت، وبحر شاسع بصدرٍ واسع .

والناجح: هو بطل كالخيل قرَّر القفزَ على الحواجز، ليرَبِحَ السباقات ويتفوق في جميع الإختبارات .

والنَّاجِحُونَ في الحَيَاةِ قَومٌ مُوَحِّدُونَ، لِرَبِّهِم مُتَّقُونَ، وَمِن خَشيَتِهِ مُشفِقُونَ، قُلُوبُهُم وَجِلَةٌ، ونُفُوسُهُم مُطمَئِنَّةٌ، وَصُدُورُهُم بِالإِسلامِ مُنشَرِحَةٌ،عَلَى نُورٍ مَن رَبِّهِم يَسِيرُونَ، وَإِلى مَن حَولَهُم يُحسِنُونَ، لا يُحقِرُونَ أَحَدًا وَلا يَتَكَبَّرُونَ.

قال رجل الإمام الشافعي رحمه الله:

إن أردت أن تعيش في مصر، فلا بد لك من عشرين ألف دينار، ومجلس تتقرب فيه من السلطان!! يعني تحتاج للمال والواسطة فقال له الشافعي: يا هذا، لقد ولدت في غزة وربيت بالحجاز وما في بيتنا قوت ليلة… من لم تعزه التقوى فلا عز له ، ومرت الأيام حتى كان السلطان يتمنى مجالسة الشافعي.

على هذا المعني الجميل تعالوا نربي أنفسنا وأولادنا وبناتنا ، و نذكرهم دائما أن الرزاق هو الله وأن الحياة والممات بيده الله وحده وأن الله هو النافع الضار .

وأن النجاح الحقيقي : في قوله تعالي : ( ‌لا ‌يَسْتَوِي ‌أَصْحابُ ‌النَّارِ ‌وَأَصْحابُ ‌الْجَنَّةِ ‌أَصْحابُ ‌الْجَنَّةِ ‌هُمُ ‌الْفائِزُونَ (20) (الحشر: 20).

لأن بعض الناس يختزلُ ‏النجاحَ في أنه درجات أو كسبَ مال أو منصب قيادي، أو ‏وجاهة اجتماعية، أو شهادة أكاديمية، أو التبحُّر في علم من العلوم، وهذه النظرة تقليدية ؛ فالنجاح يعدُّ وسيلةً لا غاية، ؛ لأن المقياس الحقيقيَّ للنجاح هو مدى قُرب العبد من الربِّ سبحانه.

وهنا نهمس بكلمة لأولياء الأمور في الثانوية الأزهرية والعامة والمستقبل: بلغوا أبناءكم وبناتكم خريجي الثانوية الأزهرية والعامة وحتي خريجي الجامعات أن المستقبل أكبر من أن يرسمه مجموع أو تحدده كلية أو جامعة ، فالمستقبل غيب ولا يعلم الغيب إلا الله كما قال الله تعالي: (‌وَعِنْدَهُ ‌مَفاتِحُ ‌الْغَيْبِ ‌لا ‌يَعْلَمُها ‌إِلَاّ ‌هُوَ ‌وَيَعْلَمُ ‌مَا ‌فِي ‌الْبَرِّ ‌وَالْبَحْرِ ‌وَما ‌تَسْقُطُ ‌مِنْ ‌وَرَقَةٍ ‌إِلَاّ ‌يَعْلَمُها ‌وَلا ‌حَبَّةٍ ‌فِي ‌ظُلُماتِ ‌الْأَرْضِ ‌وَلا ‌رَطْبٍ ‌وَلا ‌يابِسٍ ‌إِلَاّ ‌فِي ‌كِتابٍ ‌مُبِينٍ (59) (الأنعام :59).

والمستقبل رزق ، والرزق بيد الله

تَوَكَّلتُ في رِزقي عَلى اللَهِ خالِقي :وَأَيقَنتُ أَنَّ اللَهَ لا شَكَّ رازِقي

وَما يَكُ مِن رِزقي فَلَيسَ يَفوتَني:وَلَو كانَ في قاعِ البِحارِ العَوامِقِ

سَيَأتي بِهِ اللَهُ العَظيمُ بِفَضلِهِ :وَلَو لَم يَكُن مِنّي اللِسانُ بِناطِقِ

فَفي أَيِّ شَيءٍ تَذهَبُ النَفسُ حَسرَةً :وَقَد قَسَمَ الرَحمَنُ رِزقَ الخَلائِقِ

قد نسعى إلي الرزق ويمنعه الله عنا لا لأننا لا نستحقه؛ ولكن لأن فيه هلاكنا كما قال الله تعالي:( ‌فَأَمَّا ‌الْإِنْسانُ ‌إِذا ‌مَا ‌ابْتَلاهُ ‌رَبُّهُ ‌فَأَكْرَمَهُ ‌وَنَعَّمَهُ ‌فَيَقُولُ ‌رَبِّي ‌أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلَاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) (الفجر :15:17)

فكم من طبيب قتله المرض؟! وكم من ضابط قتله الغرور؟!

وكم من حالم ببعثة كان فيها ضياع دينه ودنياه؟! ، فمستقبلك حيث يختاره الله لك وإن كان على غير إرادتك فهوالخيرلنا .

قال تعالي :(وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)(البقرة:216).

هذه قصة زوجة حديثة عهد بزواج – توضح هذا المعني -، زوجها طبيب وكان من أوائل طلاب الثانوية العامة، وهو اليوم في أرقى دول العالم يستكمل دراسته، بينما هو في الحقيقة لا يفيق من السكرمن المخدرات والمسكرات ، ولا يتوقف عن العهر، وقد تجرأ على تركه صلاته وإيمانه بحجة أن الملتزمين في بلاده متهمون بالإرهاب والتطرف فترك الصلاة والقرآن والصيام والقيام !!

بينما زميله الذي لم يرزق بمثل هذه الفرصة ولا بنفس المجموع العالي قد يكون أهدأ حالا وأهنأ بالا منه وأقرب لله منه !!

وليست هذه هي القاعدة لكل متفوق، فأغلب المتفوقين من أهل الصلاح والصلاة والقرآن والأخلاق ؛ ولكني أقصد ضرب المثال فقط .

وخذ علي ذلك أمثلة كثيرة ؛ الدكتور(فلان بن فلان ) كان علمي رياضيات ولم يسعفه مجموعه أن يدخل كلية الهندسة، بينما هو الآن من أكبر أساتذة علم اللغة في جامعات مصر!!

فالمستقبل بيد الله تعالي وحده الرزاق المحي المميت الكريم الحكيم العليم الذي أتى بنا من الماضي وأحيانا في الحاضر…

وقد رأينا لطفه وكرمه وعلمه وحكمته بنا في الماضي والحاضر فلن يضيعك في مستقبلك؟! حاشاه سبحانه وتعالي ..

ولا تختزلوا مستقبلكم في درجات أو مسارات أو جامعات أو شهادات … فالقمم نصنعها نحن ولا تصنعنا هي..

والفوز الحقيقي والنجاح الباقي جاء في القرآن مرتين فقط هما 🙁 كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185)( آل عمران :185).

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) (الأحزاب :71).

الثانوية ليست نهاية المطاف، والتميز جولات، والتفوق حلقات لا تعدو الثانوية أن تكون حلقة من هذه الحلقات وخطوة من الخطوات .

ونَحنُ في هَذِهِ الحَيَاةِ في اختِبَارٍ دَائِمٍ، تَتَكَرَّرُ نَتَائِجُهُ في كُلِّ يَومٍ بَل في كُلِّ سَاعَةٍ وَلَحظَةٍ،غَيرَ أَنَّهُ لا يَستَفِيدُ مِن تِلكَ النَّتَائِجِ وَيَستَثمِرُهَا في التَّقَدُّمِ نَحوَ الأَفضَلِ، إِلاَّ المُوَفَّقُونَ الناجحون مِن ذَوِي البَصَائِرِ النَّيِّرَةِ وَالقُلُوبِ الحَيَّةِ، الَّذِينَ يَعلَمُونَ أَنَّ طُلاَّبِ الآخِرَةِ لَن يَرَوُا النَّتِيجَةَ النِّهَائِيَّةَ عَينَ اليَقِينِ إِلاَّ يَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ، قَالَ – سُبحَانَهُ -: ﴿‌وَيَوْمَ ‌تَقُومُ ‌السَّاعَةُ ‌يَوْمَئِذٍ ‌يَتَفَرَّقُونَ (14)فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (16) ﴾ [الروم:14- 16].

وقال الله تعالي :(قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

معاشرالآباء والأمهات لا تكونوا عونا لأولاكم وبناتكم على اليأس والبؤس والإحباط ؛ بل علموهم : أنهم أغلى من المجموع ومن الدنيا وما فيها طالما فعلوا المستطاع ،وأن شرف البذل وعرق الطالب يريح الضمير حتى وإن لم نصل للمراد من نظرنا القاصر، وأن القمة ليست في الكلية ؛ولكن القمة الحقيقة في أن نحسن الأخذ بالأسباب كما قال الله تعالي : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)

فالله لا يضيع عمل عامل، لكنه يختار لنا الأصلح بعلمه ورحمته وحكمته وعدله فهو عالم الغيب والشهادة .

فكل إنسان يسعى إلى أن يحصل لنفسه النجاح والسعادة، والتي يمكن أن نجملها في عنصرين اثنين:

1- الشعور بالرضا طالما أنك لم تقصر .

2- الشعور بالأمن؛ لأنك مؤمن بعدل الله ورحمته وحكمته .

ومَن نَجَحَ في عِلاقَتِهِ مَعَ اللهِ أَوَّلاً، فَكَانَ لأَمرِهِ طَائِعًا وَفِيمَا عِندَهُ طَامِعًا، وَلِمَا نَهَى عَنهُ مُجَانِبًا وَلِرِضَاهُ طَالِبًا، فَإِنَّهُ لَن يَجِدَ بَعدَ ذَلِكَ صُعُوبَةً في تَجَاوُزِ الاختِبَارِ الثَّاني وَالثَّالِثِ حتي يصل لرضا مولاه .

{‌مَنْ ‌عَمِلَ ‌صَالِحًا ‌مِنْ ‌ذَكَرٍ ‌أَوْ ‌أُنْثَى ‌وَهُوَ ‌مُؤْمِنٌ ‌فَلَنُحْيِيَنَّهُ ‌حَيَاةً ‌طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)}] .