
بقلم : د / مدحت عــلي أحمد وِربي
الحمدُ لله وحدَه، والصَّلاة والسَّلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أمَّا بعدُ:
فحيَّاكم الله أيُّها الأحباب في كل مكان مع سلسلة البيت السعيد
هذه معلومات عن الطلاق قبل ذكر أشهر حالة طلاق في العالم اتَّفق الفقهاء على أصلِ مشروعيَّة الطلاق، واستدلُّوا على ذلك بأدلَّةٍ؛ منها:
(1) قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة: 229].
(2) قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1].
(3) ما يُروى عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((أبغَضُ الحلال إلى الله الطلاق))؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما[(“المستدرك” 2/196)].
(4) إجماع المسلمين من زمن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – على مشروعيَّته[“بداية المجتهد” 2/46].
ومع أنَّ الطلاق مشروع جائز، إلا أنَّ جمعًا من العلماء ذهبوا إلى أنَّ الأصل في الطلاق الحظر والمنع[“مصنف ابن أبي شيبة” 4/229].
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: “إنَّ الأصل في الطَّلاق الحظر، وإنما أُبيحَ منه قدر الحاجة”[ “مجموع فتاوى /32/293].
وقال – رحمه الله – أيضًا: “ولولا أنَّ الحاجة داعيةٌ إلى الطلاق لكان الدليل يقتَضِي تحريمه كما دلَّت عليه الآثار والأصول، ولكنَّ الله تعالى أباحَه رحمةً منه بعِباده لحاجتهم إليه أحيانًا”[ مجموع فتاوى / 3/74].
ومن الأدلَّة علي أنَّ الأصل في الطلاق الحظرُ والمنع:
(1) قوله – تعالى -: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
ووجه الدلالة: أنَّ الآية دليلٌ على أنَّ إمساك الزوج لزوجته مع كَراهته لها مندوب إليه؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ الطلاق مكروهٌ، قال ابن العربي: “قال عُلَماؤنا: في هذا دليلٌ على كراهية الطلاق”[ “أحكام القرآن”/ 1/469].
(2) قوله – تعالى -: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34].
ووجه الدلالة: أنَّ الله – سبحانه وتعالى – أرشد إلى عدَم طلاق الزوجة إذا كانت مُطيعةً لزوجها قائمة بحقوقه، وأنَّ طلاقها مع الاستقامة مكروهٌ.
(3) ما رُوِي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنَّ النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((أبغَضُ الحلال إلى الله الطلاق))[ أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما[(“المستدرك” 2/196)]].
ووجه الدلالة: أنَّ كون الطلاق مُبغضًا إلى الله – عزَّ وجلَّ – يقتضي رُجحان تركه على فعله، وأنَّه يحسن تجنُّب إيقاع الطلاق ما وجد عنه مندوحة[البحر الرائق” 3/255].
(4) ما رُوِي عن ثوبان – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أيُّما امرأةٍ سألت زوجها الطلاقَ من غير بأسٍ، فحرامٌ عليها رائحة الجنَّة))[ ابن ماجه/1672)].
ووجه الدلالة: لَمَّا حصَل الوعيدُ بالحِرمان من الجنَّة على سُؤال المرأة زوجَها الطلاق دُون حاجةٍ أو عذر لها دلَّ على أنَّ الطلاق من غير حاجةٍ مكروهٌ، وأنَّ الأصل فيه الحظر.
(5) ومن النظر: أنَّ الله تعالى قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].
ووجه الدلالة: الآية تُبيِّن أنَّ من نِعَمِ الله تعالى نعمة النكاح، ففي قطْع هذا النِّكاح كُفران للنِّعمة وقطعٌ لهذه المودة والرحمة[البحر الرائق/ 3/254].
وإذا عُلم أنَّ الأصل في الطَّلاق الحظْر والمنع للأدلَّة السابقة فإنَّه ينبغي للزوج العاقل ألا يقدم عليه إلا لحاجةٍ مُعتَبَرة، فالطلاق ليس بالأمر الهيِّن؛ إذ إنَّه حلٌّ لرباطٍ شرعي رَعاه الشرع وحماه، وهو رباط الزواج الذي وصَف الله تعالى مِيثاقه بالميثاق الغليظ؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21) ﴾ [النساء: 20، 21].
والحق أن حُكم الطلاق يكون ؛ بحسَب حال الزوجين، وأنَّه يسري عليه الأحكام الشرعيَّة الخمسة وهي :
(الوجوب، الاستحباب، التحريم، الكراهة، الإباحة) تبعًا للحال التي يكون عليها الزوجان، وأنَّ الطلاق ينقسمُ من حيث موافقته أو مخالفته للسُّنَّة إلى ثلاثة أقسام: طلاق سني، وطلاق بدعي، وطلاق لا سنَّة فيه ولا بدعة.
وحتي يكون الطلاق علي السنة أي: ما أَذِنَ الشرع فيه ووافَق أمرَ الله وأمرَ رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في إيقاعه صفةً وعددًا[كشاف القناع/ 5/239].
وليس المقصود من وصْف هذا الطَّلاق بالسني أنَّه مسنون مستحب، بل المراد بيان الوقت المشروع لإيقاع الطلاق بحيث يكون إيقاعه – عند العزم عليه – في الوقت المشروع وعلى الصفة المشروعة.
وأنَّه يُنظر إلى الطلاق السني من جهتين: من حيث العدد ومن حيث الوقت :
• أمَّا بالنسبة للوقت: فهو أنْ يكون في طُهرٍ لم يحصل فيه جماع، أو في حال كونِ الزوجة حاملاً وقد تبيَّن الحامل.
• وأمَّا بالنسبة للعدد: فإنَّ الطلاق السني: أنْ يكون بطلقةٍ واحدة فقط حتى تنتهي العدَّة. [بدائع الصنائع/ 3/88].
ويدلُّ على هذا ما أخرجه أبو داودعن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس – رضي الله عنهما – فجاء رجلٌ فقال: إنَّه طلَّق امرأته ثلاثًا، قال: فسكت حتى ظننت أنَّه رادها إليه، ثم قال: ينطلقُ أحدكم فيركب الحموقة[الحَمُوقة؛ “هي فَعولةٌ من الحُمْقِ؛ أَي: خَصْلة ذات حُمْقٍ وحقيقة الحُمق: وضع الشيء في غير موضعِه مع العلم بقُبْحه”؛ [لسان العرب/ 10/68] .
ثم يقول ابن عباس: وإنْ الله قال: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]، وإنَّك لم تتَّقِ الله فلم أجدْ لك مَخرَجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتُك، وإنَّ الله قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ [الطلاق: 1] [أبي داود/ 2/260].
وعلى هذا فإنَّ مَن جَمَع الثلاث لم يبقَ له أمر يحدث ولم يجعل الله له مَخرَجًا ولا من أمره يسرًا[المغني/ 7/281].
(2) ما ورَد عن محمود بن لبيد قال: “أُخبر رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – عن رجلٍ طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فغضب ثم قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أيُلعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم!)) حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله، ألا أقتله”[أخرجه النسائي / 3/173]، ووجه الاستدلال من الحديث:
أنَّ غضب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – عندما أُخبر عن تَطلِيق ذلك الرجل لامرأته ثلاث طلقات جميعًا، دليلٌ على حُرمة جمع الثلاث؛ لأنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – لا يغضب إلا لحرام.
(3) كما استدلُّوا بآثارٍ عن الصحابة – رضِي الله عنهم – منها:
• ما ورد عن عمر – رضِي الله عنه -: أنَّه كان إذا أُتِي برجلٍ طلق ثلاثًا أوجعه ضربًا[الاستذكار/ 6/4].
• ما ورد عن علي – رضِي الله عنه – قال: “لو أنَّ الناس أصابوا حدَّ الطلاق ما ندم رجلٌ على امرأةٍ، يطلقها واحدة، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حِيَض”[ مصنف شيبة/ 4/56].
• ما رُوِيَ عن ابن عباسٍ – رضي الله عنهما – أنَّه أتاه رجل فقال: إنَّ عمِّي طلَّق امرأته ثلاثًا، فقال: إنَّ عمَّك عصى الله، فأندمه الله، فلم يجعل له مخرجًا))[ مصنف شيبة/ 4/61].
ووجه الاستدلال بهذه الآثار: أنها دلَّت بمجموعها على أنَّ الصحابة – رضوان الله عليهم – يرَوْن تحريم طَلاق الثلاث مجموعةً، وأنَّ هذا الطلاق معصيةٌ لله تعالى وخلاف السُّنَّة.
والخلاصة : أنَّ طلاق السُّنَّة الذي يجبُ التقيُّد به طاعةً لله تعالى ورسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – لمن عزَم على الطلاق: أنْ يكون الطلاق في حال طُهْرٍ لم يحصل فيه جماع، أو في حال الحمل الذي تبين، وأنْ يكون بطلقةٍ واحدة فقط، وألا يتبعها بطلقةٍ أخرى حتى تنتهي عدَّتها.
وأخيرا مع أشهر قصة طلاق في التاريخ
هذه القصة – طلاق غريبة وعجيبة-” عن لُؤْلُؤُ الْخَادِمُ خَادِمُ الرَّشِيدِ قال : جرى بين هارون الرشيد وبين ابنة عمه زبيدة مناظرة وملاحاة في شيء من الأشياء ، فقال هارون لها في عرض كلامه : ” أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة “، ثم ندم واغتما جميعا بهذه اليمين ، ونزلت بهما مصيبة لموضع ابنة عمه منه ، فجمع الفقهاء وسألهم عن هذه اليمين ، فلم يجدوا له منها مخرجا ، ثم ندم على ما قال لأنه يحبها كثيراً، وهي حزنت كذلك حزناًشديداً ، ولما جمع العلماء للفتوى قالوا له : ومن يجرؤ منا أن يفتيك أنك من أهل الجنة لقد طلقت زوجتك، وعندها ضاقت الأمورعلي هارون الرشيد وقال لرجاله وحاشيته: ألم يبقى عالم في بغداد كلها؟!!!
قالوا: هنالك عالم واحد اعتزل الناس منذ زمن اسمه { الليث بن سعد } وكان الليث أحد أشهر الفقهاء في زمانه ،( ولد وعاش وتوفي بمصر) فاق في علمه وفقهه إمام المدينة المنورة { مالك بن أنس } ولكن تلاميذه لم يحتفظوا بعلمه وفقهه مثلما فعل تلامذة الإمام مالك، وكان الإمام الشافعي يقول أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: سمعت الشافعي يقول:الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به (2 / 243 / الرسائل المنيرية).
قال هارون الرشيد: أحضروه ، فلما أحضروه ودخل قام العلماء [وقعدوا ، إحتراما العلماء ؛ لذلك كان يقال فلان يقام له ويقعد]
وعرض عليه المسألة ، فنظر الليث في هارون الرشيد ثم نظر في وجه العلماء .
فقال الإمام الليث بن سعد : يا أمير المؤمنين أريد أن أخلوا معك فأنصرف الجمع من المجلس .
قال له الإمام الليث بن سعد: ضع يدك يا أمير المؤمنين على كتاب الله ، وأقسم بأنك ستصدقني لا تكذب ، فأقسم هارون الرشيد .
فقال الإمام الليث بن سعد : يا أمير المؤمنين أما والله ، لم استحلفك تهمة لك فإني أعلم أنك صادق الكلم ، ولكني أحببت أن لا تخدعك نفسك…أستحلفك بالله يا أمير المؤمنين هل ذكرت الله تعالي يوما خاليا ليس عندك أحد ، ولم تذكر في نفسك غير الله أحد ، فذرفت عينك الدمع على لحيتك.
قال هارون : وحق منزل هذا الكتاب لقد كان ذلك مِراراً ومرات .
قال الإمام الليث بن سعد : افتح كتاب الله على سورة الرحمن ، ففتح علي سورة الرحمن.
فقال الإمام الليث بن سعد: اقرأ قوله تعالى :{ : ( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (46)(الرحمن :46). فبشره بدل الجنة ، جنتين بدليل قرآني.
ففرح هارون الرشيد وتهلل وجهه بالسرور، واطمأن إلى أن زبيدة ما زالت زوجته ، وليست طالقا ، وانطلقت الزغاريد في القصر.
وكانت زبيدة في بيت مسبل عليه ستر قريب من المجلس ، تسمع الخطاب – فسمعت التصفيق والتكبيروالفرح من خلف الستر، وقال هارون : أحسنت والله ، بارك الله فيك ، ثم أمر بالجوائز والهدايا لليث بن سعد .
قال الإمام الليث بن سعد: فليدخل العلماء الآن ، فدخلوا.
قال ا الإمام الليث بن سعد لهم : أما والله لم أصرفكم استخفافًا بكم ؛ ولكن أحببت أن أخلو بأمير المؤمنين حتى لا تدخل عليه نفسه ، فصادق جميع العلماء قول الليث بن سعد في فتواه . أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في الحلية [7 : 323]، ومن طريقه ابن عساكر (50/328)). بتصرف كبير.
ومما يؤيد فتواه قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ»:(الترمذي/4/ 171/1633).
وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(كلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجنة، ومن عصاني فقد أبى). (البخاري/6/ 2655/6851).
(أبى) امتنع عن قبول الدعوة أو عن امتثال الأمر»
مجلة روح الاسلام فيض المعارف