الخوارزميات كسلاح  من تزييف الوعي إلى صناعة القطيع

المقال الرابع عشر من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 لم يكن أشد المفكرين تشاؤمًا ليتصور أن معركة الوعي في القرن الحادي والعشرين لن تُدار فقط عبر الجيوش أو الصحافة أو الفضائيات، بل عبر سطر برمجي يكتبه مهندس في وادي السيليكون أو تل أبيب، فيتحكم بمصير ملايين البشر من دون أن يشعروا. هذه الأسطر هي ما يُعرف بالخوارزميات، ذلك العقل الخفي الذي يدير وسائل التواصل الاجتماعي، يقرر من يُسمع صوته ومن يُسكت، ومن يبرز كقائد للرأي ومن يذوب في الزحام، أي فكرة تنتشر كالنار وأي قضية تُدفن في الظلام.

لقد صُوِّرت الخوارزميات للعالم بوصفها محايدة، أداة تقنية باردة لا هم لها إلا “تحسين تجربة المستخدم” و”تقديم ما يناسب اهتماماته”. لكن الواقع أن هذه الخوارزميات هي أخطر أسلحة جيوش الظل الإعلامية في عصرنا. فهي لا تعكس وعي الناس، بل تصنعه. لا تتبع رغبات الجماهير، بل تُوجهها. فإذا أرادت الشركات المالكة أن تجعل قضية ما تحتل الشاشات، جعلت خوارزمياتها ترفعها إلى قمة “الترند”. وإذا أرادت أن تُخفي مأساة، جعلت الخوارزميات تتجاهلها حتى تختفي من البصر والذاكرة معًا.

ولأن الإنسان العادي لا يرى هذه العملية، فإنه يظن أن ما يظهر أمامه على الشاشة هو نتاج طبيعي لتفاعل الناس. لكنه في الحقيقة نتاج هندسة دقيقة للعقول. فكل إعجاب تضغطه، وكل تعليق تكتبه، وكل ثانية تقضيها أمام فيديو تُسجل وتُحلل لتُعاد صياغة ما سيظهر لك لاحقًا. وهكذا يُسجن الفرد داخل “فقاعة رقمية” تكرر له ما يريد أن يسمع حتى يظن أن العالم كله يشاركه رأيه، أو تدفعه نحو ما لا يريد حتى يتبنى أفكارًا لم تخطر على باله. هذه ليست حرية، بل سجن ذهني بابه مفتوح، يدخل الناس إليه طواعية.

إن الخوارزميات كسلاح ليست محايدة سياسيًا ولا ثقافيًا. ففي القضايا الكبرى، تنحاز بشكل فجّ إلى رواية الأقوى. القضية الفلسطينية مثلًا تُحجب صورها بحجة “العنف”، بينما تُترك بروباغندا الاحتلال تنتشر بلا قيد. الأصوات التي تدافع عن الدين تُصنَّف “خطاب كراهية”، بينما الأصوات التي تهاجمه تُعطى مساحة مضاعفة. الحسابات التي تكشف فساد الأنظمة تُغلق فجأة، بينما الحسابات الموالية تُفتح لها الأبواب. وهكذا تتحول المنصات إلى ساحات قتال غير عادلة، يكون فيها المستخدم العربي أو المسلم مقاتلًا أعزل أمام جيوش من الخوارزميات المسلطة.

ولم يتوقف الأمر عند تزييف الوعي الفردي، بل تعداه إلى صناعة القطيع. فالخوارزميات تضخم بعض الأصوات حتى تبدو كأنها تمثل الأغلبية، بينما تدفن أصواتًا أخرى حتى تبدو كأنها شذوذ معزول. وبذلك يُصنع وهم “الإجماع” و”الرأي العام” بطريقة اصطناعية. ملايين الناس يتبعون الترند لأنهم يظنون أنه يمثل صوت المجتمع، بينما هو في الحقيقة قرار آلي اتخذه برنامج في شركة خاصة. لقد صارت الخوارزميات سلاحًا لإعادة تشكيل السلوك الجمعي، ليس فقط في قضايا سياسية، بل حتى في الذوق والفن والاستهلاك.

الأخطر أن هذه الخوارزميات لا تعمل فقط في الحاضر، بل تراكم بيانات ضخمة عن الماضي، وتحللها لتتنبأ بالمستقبل. فهي تعرف ميول الناس أكثر مما يعرفون أنفسهم، وتستطيع أن تدفعهم إلى اتخاذ قرارات معينة في الانتخابات أو الاستهلاك أو حتى في حياتهم اليومية. وهذا يعني أن الخوارزميات لم تعد مجرد مرآة للمجتمع، بل صارت عقلًا فوقيًّا يصنع قراراته بدلاً منه.

إن الخوارزميات في جوهرها جيوش ظل رقمية: لا تُرى، لا تُنتخب، لا تُحاسب، لكنها تملك من السلطة ما يجعلها أخطر من الحكومات نفسها. فحكومة قد تُسقطها ثورة شعبية، لكن خوارزمية لا يمكن أن يثور الناس عليها لأنهم لا يعرفون حتى كيف تعمل. إنهم يظنون أنهم أحرار وهم في الحقيقة مسيَّرون، يظنون أنهم يعبرون عن أنفسهم بينما هم يُعاد تشكيلهم في كل لحظة.

وهكذا نصل إلى خلاصة: أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل تحولت إلى سلاح شامل لإعادة هندسة الوعي الجمعي. إنها المعركة الأخطر في عصرنا، لأنها لا تدور في الميادين ولا في البرلمانات، بل في اللاوعي، في ما يراه الإنسان كل صباح على شاشة هاتفه. إنها احتلال ناعم، لكنه لا يقل فتكًا عن أي احتلال عسكري، لأنه يسلب الإنسان نفسه قبل أن يسلب أرضه.