وسائل التواصل الاجتماعي الاحتلال الرقمي الجديد

المقال الثالث عشر من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 

من المقهى إلى الشاشة:

 لم يعد المقهى ولا السوق ولا ساحة القرية ولا حتى الجامع هي الأماكن التي يجتمع فيها الناس ليتبادَلوا أخبارهم وآراءهم كما كان الأمر لقرون طويلة. لقد تغيّر المشهد جذريًا مع بداية القرن الحادي والعشرين حين تحولت الساحات العامة إلى فضاءات افتراضية، وصارت شاشة الهاتف هي “المقهى الجديد” الذي يجلس فيه الملايين معًا في وقت واحد، يتحدثون ويتجادلون ويتأثرون ويتخذون قراراتهم، لكن تحت أعين منظومات لا ينتمون إليها ولا يسيطرون عليها.

وسائل التواصل الاجتماعي لم تُقدَّم للعالم باعتبارها مشروعًا استعماريًا، بل باعتبارها ثورة تكنولوجية مذهلة تقرّب المسافات، وتمنح الناس الحرية المطلقة في التعبير، وتكسر احتكار الإعلام التقليدي. وقد صدّق الناس هذه الصورة البراقة، لأنها جاءت بعد عقود طويلة من قمع الإعلام الرسمي والرقابة المشددة. بدا الأمر كأنه تحرير للكلمة من السجون القديمة. لكن الحقيقة التي لم يتنبه إليها كثيرون في البداية أن هذه الوسائل لم تكن مجرد منصات محايدة، بل كانت أدوات مملوكة لشركات عابرة للحدود، مرتبطة بمراكز القرار في واشنطن ووادي السيليكون ولندن وتل أبيب، تخضع لقوانينها ومصالحها قبل أن تخضع لحقوق المستخدمين.

لقد تحولت وسائل التواصل بسرعة إلى ما يشبه احتلالًا رقميًا جديدًا. فهي التي تحدد ما يُرى وما يُخفى، ما ينتشر وما يُدفن، من يملك الصوت ومن يُسكت. خوارزمياتها ليست محايدة، بل تعمل كجنود غير مرئيين في جيش ظل ضخم، يدير النقاشات العامة ويوجهها نحو مسارات محددة. فإذا أرادت هذه المنصات أن تُضخّم قضية، جعلتها تتصدر في دقائق، وإذا أرادت أن تدفن قضية أخرى، غيّبتها عن الشاشات حتى كأنها لم تحدث. وهكذا صار وعي الشعوب مربوطًا بأزرار في مكاتب مهندسين ومديرين تنفيذيين لا يعرفون لغات هذه الشعوب ولا يعترفون بخصوصياتها.

 كيف تحولت الساحات العامة إلى فضاءات افتراضية :

إن أخطر ما في هذا التحول أن الإنسان العربي – والمسلم عمومًا – الذي كان يملك على الأقل ساحة محلية للنقاش، صار يعيش في ساحة عالمية مصطنعة تتحكم فيها معايير أجنبية. فالقضية الفلسطينية مثلًا، حين تُنشر على هذه المنصات، تُحذف صورها وفيديوهاتها بحجة “خرق المعايير”. بينما تُترك دعايات الاحتلال ومنشورات التطبيع والعداء الديني تنتشر بلا رقيب. هذا ليس مجرد خطأ تقني، بل سياسة متعمدة: أن تُعطى المنصة للمستضعفين وهم يظنون أنهم أحرار، بينما هم في الواقع محاصرون بخوارزميات تنحاز ضدهم.

ولأن هذه الوسائل تغلغلت في تفاصيل الحياة اليومية، صارت الهوية الرقمية بديلًا عن الهوية الواقعية. فالإنسان يُعرّف نفسه بعدد متابعيه وإعجابات الآخرين، لا بمكانته في أسرته أو مجتمعه. والقرار السياسي نفسه صار يتأثر بما يجري على هذه المنصات أكثر مما يتأثر بخطاب زعيم أو صحيفة كبرى. لقد صار الاحتلال الرقمي لا يسيطر على الأوطان وحدها، بل على النفوس أيضًا، فيعيد تشكيل قيمها وعلاقاتها وطريقة تفاعلها.

إن هذا التحول من المقهى الواقعي إلى الشاشة الصغيرة لم يكن بريئًا، بل كان أذكى أشكال السيطرة في عصرنا. فالمستعمر لم يعد بحاجة إلى جنود يجوبون الشوارع، بل يكفيه أن يملك المنصات التي يجتمع فيها الناس. هناك، في قلب التطبيقات، يدير المعركة دون أن يطلق رصاصة. إننا نعيش اليوم احتلالًا لا يُرى، لكنه أقوى من أي احتلال عسكري عرفناه، لأنه يسيطر على أهم ساحة في حياة البشر: وعيهم الجماعي.