
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ٤ محرم ١٤٤٨ هـ – ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م
هَجْرَةُ القُلُوبِ وَالجَوَارِحِ.. المَفْهُومُ الأَسْمَى لِفِقْهِ الرِّحْلَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي:
هَجْرَةُ القُلُوبِ وَالجَوَارِحِ.. المَفْهُومُ الأَسْمَى لِفِقْهِ الرِّحْلَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى
عناصر الخطبة:
1- فقه الهجرة الحقيقية.. الانتقال بالقلب والجوارح من مواطن الغفلة إلى رحاب الطاعة.
2- هجر ما يبغضه الله عز وجل.. تطهير الباطن والظاهر من الآثام والمعاصي.
3- الرحلة إلى ما يحبه الله عز وجل ويرضاه.. المسارعة في الخيرات وعمارة الأوطان.
4- الثبات على الطاعة في العام الجديد.. منهج الصحابة الكرام في استدامة العمل الصالح.
5- الأمانة العلمية وبناء الإنسان.. والتحذير من الغش في الامتحانات (الخطبة الثانية).
الموضوع
الحمد لله رب العالمين، فالق الإصباح، ومسير الأيام والأعوام بالفلاح، الذي جعل الهجرة النبوية المباركة فصلاً فاصلاً بين الحق والباطل، ومنارة يستضيء بها السالكون إلى مرضاته في كل زمان ومكان، القائل في محكم التنزيل وبليغ الذكر الحكيم: ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل الهجرة بالقلب والروح باقية ممتدة لا تنقطع، وحث العباد على التوبة والإنابة ومخالفة الهوى والشيطان، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، الذي هاجر بأمر ربه صابراً محتسباً، فكانت هجرته تأسيساً لدولة الحق والعدل والنظام، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله ، وأصحابه الطيبين الطاهرين الأبرار، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين هاجروا ونصروا، وبذلوا جهدهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل، فكانوا هداة مهتدين وشامات مضيئة بين العالمين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. مع إشراقة عام هجري جديد، تلتفت قلوب الأمة الإسلامية بأسرها إلى تلك الذكرى العطرة، ذكرى هجرة نبينا ومصطفانا سيدنا محمد ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. ونقف اليوم وقفة واعية لنصحح مفهوماً استقر في أذهان الكثيرين؛ حيث يظن البعض أن الهجرة قد انتهت بانقطاع الرحلة المكانية بعد فتح مكة، لكن الحقيقة الشرعية والمنهج الوسطي الرشيد يعلمنا أن للهجرة فِقهاً أسمى، ومعنى أعمق، وحقيقة إيمانية ممتدة وباقية ما دامت السماوات والأرض. إنها هجرة القلوب والجوارح؛ هجرة العبد بكيانه وروحه من كل ما يبغضه الله عز وجل ويكرهه، إلى كل ما يحبه سبحانه ويرضاه. فمن رضي بهذا المسار، نال معية رب العالمين، وتحققت في حياته بركة العمر والعمل.
العنصر الأول: فقه الهجرة الحقيقية.. الانتقال بالقلب والجوارح من مواطن الغفلة إلى رحاب الطاعة
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، اعلموا أن الهجرة في جوهرها وفقهها الأصيل ليست مجرد انتقال بالأبدان من أرض إلى أرض، بل هي في المقام الأول حركة قلبية مستمرة، وانتقال بالروح والوجدان من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ضيق معصية الهوى إلى سعة طاعة رب العالمين وعزها. إن المسلم الحقيقي هو الذي يستشعر أن حياته كلها رحلة سير دؤوبة إلى الله عز وجل؛ يستوجب فيها هجر كل العادات السيئة، والصفات المذمومة، والأفكار المنحرفة، ليقبل بكليته على خالقه عز وجل في بيته، وعمله، ومجتمعه، وطنه.
وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال المنهج النبوي الشريف الذي يرسخ هذا المفهوم الروحي والتربوي العظيم، ويجعل من الهجرة عملاً متاحاً لكل مسلم ومسلمة في كل وقت وحين؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وأرضاهما، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات تفيض نوراً وبلاغة وتحدد معالم الفقه الحقيقي: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. فانظروا يا عباد الله إلى هذا التوجيه النبوي البليغ؛ لقد نقل الحبيب المصطفى ﷺ معنى الهجرة من الإطار الزماني والمكاني الضيق، إلى الإطار السلوكي والأخلاقي الفسيح والمستمر، فكل من ترك معصية، أو طهر قلبه من غل وحسد، أو كف جوارحه عن الحرام، فهو مهاجر حقيقي إلى الله عز وجل، مسجل في ديوان الأبرار المقبولين.
ولنا في مواقف الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم أروع القصص وأبلغ المواقف الحية التي تجسد هذا الفهم العميق لفقه الهجرة الروحية؛ فهذا سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، روي عنه أنه مر يوماً ببعض أحياء المدينة، فرأى ناساً في غفلة من أمرهم، يتنافسون على الدنيا، ويضيعون أوقاتهم في القيل والقال، فوقف عليهم ونادى فيهم بلسان الوعظ المؤثر الشفيق قائلاً: “يا هؤلاء، ما أعجزكم! ها هو ميراث سيدنا رسول الله ﷺ يُقسم في المسجد وأنتم هاهنا لا تذهبون لتأخذوا نصيبكم؟”، فترك الناس ما في أيديهم وهرعوا إلى المسجد النبوي الشريف، ثم عادوا إليه متعجبين وقالوا: “يا أبا هريرة، لقد ذهبنا إلى المسجد فلم نرَ فيه ميراثاً يُقسم، بل رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرأون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام!”، فتبسم سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه وقال بكلمات اليقين: “ويحكم! وهل ميراث سيدنا رسول الله ﷺ إلا هذا؟”. فانظروا كيف كان الصحابة يفهمون أن الهجرة الحقيقية والارتحال الصادق يكون بالانتقال من مجالس اللغو والغفلة إلى مجالس العلم والإيمان وطاعة رب العزة عز وجل.
ويروى أيضاً في سياق هجرة النفوس وإصلاح البواطن، ما ذكره الأئمة في كتب السير عن قصة توبة الإمام الجليل والتابع الكريم سيدنا الفضيل بن عياض رضي الله عنه وأرضاه؛ فقد كان في أول أمره يقطع الطريق على القوافل، وكان مهيباً قوياً، وذات ليلة تسلق جداراً ، فسمع رجلاً من الصالحين يصلي في جوف الليل ويتلو قول الحق سبحانه في سورة الحديد: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون. فلما مست هذه الآية العظيمة شغاف قلبه، اهتز كيانه وانفجرت عيناه بالدموع، ونادى بلسان الانكسار والرضا: “بلى يا رب قد آن! بلى يا رب قد آن!”. فخرج مسرعاً مهاجراً من وادي المعصية، وقصد المسجد الحرام وجاور البيت، وصار إماماً للمتقين وعابداً للحرمين. إن هذه هي الهجرة الحقيقية التي غيرت مسار حياته؛ هجرة القلب التي جعلت من قاطع طريق إماماً يُقتدى به في الهدى والنقاء.
إن فقه الهجرة بالقلب والجوارح يورث العبد طمأنينة وسكينة لا تزلزلها تقلبات الأيام، ويجعله موصولاً بحبل الله عز وجل المتين في كل صباح ومساء. فلنفتش يا عباد الله في طوايا صدورنا مع بداية هذا العام الجديد، ولنعلنها هجرة صادقة خالصة، نطهر بها ألسنتنا من الغيبة والكذب، وأيدينا من الغش والظلم، وقلوبنا من الحسد والكبر، لنكون بحق من المهاجرين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وننال بشائر القبول والفوز برضا رب العالمين في الدنيا والآخرة.
العنصر الثاني: هجر ما يبغضه الله عز وجل.. تطهير الباطن والظاهر من الآثام والمعاصي
أيها السادة الفضلاء: إن أولى خطوات الهجرة الصادقة إلى الله عز وجل في هذا العام الجديد، هي أن يقف المرء مع نفسه وقفة محاسبة جادة، فيهجر هجراً جميلاً كل ما يبغضه الله عز وجل ويكرهه من السلوكيات والآثام، سواء كانت معاصي ظاهرة تقترفها الجوارح، أو مآثم باطنة تختبئ في طوايا النفوس والقلوب. إن التخلية مقدمة على التحلية؛ فلا يستقيم لقلب أن يتذوق حلاوة القرب والرحيل إلى الله عز وجل وهو لا يزال مقيماً على وادي الذنوب، منغمساً في وحل المعاصي، ملوثاً بآثام الكذب، أو الغيبة، أو أكل الحرام، أو النفاق والمظاهر الفانية. فالقرآن الكريم ينادينا ببيان حاسم في سورة المدثر فيقول: والرجز فاهجر. والرجز هو كل إثم وذنب ومعصية تبعد العبد عن ساحات رضا ربه عز وجل.
تأملوا بقلوبكم وعقولكم في مواقف الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم، كيف كانوا يسارعون في هجر ما يبغضه الله عز وجل بمجرد أن يلامس الحق آذانهم، وكيف كانت توبتهم هجرة حاسمة لا رجوع فيها؛ لنقف مع قصة سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، ذلك الصحابي الجليل الزاهد، حينما وقع بينه وبين سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه جفاء وخصومة في مجلس من المجالس، فاشتد بينهما الكلام، فسبه سيدنا أبو ذر وعيره بأمه قائلاً: “يا ابن السوداء!”. فذهب سيدنا بلال حزيناً شاكياً إلى الحبيب المصطفى ﷺ، فلما علم النبي ﷺ بذلك تغير وجهه الشريف، ولما جاءه أبو ذر قال له النبي ﷺ بكلمات هزت كيانه وأيقظت روحه: يا أبا ذر، أعيَّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية!. فلم يجادل أبو ذر، ولم يستكبر، ولم تأخذه العزة بالإثم، بل وقعت هذه الكلمات النبوية في قلبه كالصاعقة، فهاجر في الحين واللحظة تلك الخصلة الذميمة التي تبغضها الشريعة الغراء وسطيتها الرشيدة، وخرج مسرعاً خلف سيدنا بلال، ووضع خده على التراب والطريق وقال باكياً بلسان الانكسار: “يا بلال، والله لا أرفع خدي عن التراب حتى تطأه بقدمك، أنت الكريم وأنا اللئيم!”. فلم يرفعه حتى سامحه بلال وتعانقا ببكاء مر. فانظروا يا عباد الله كيف يكون هجر الكبر، وهجر العصبية، وهجر الكلمات الجارحة، انتقالاً فورياً من سخط الله عز وجل إلى رضوانه الفسيح.
ومن أبلغ القصص الحية التي تسطر بمداد من نور أثر هجر المعاصي وتطهير الباطن في جلب بركات السماء والعباد، ما ترويه كتب السير والتواريخ في قصة الاستسقاء المشهورة في عهد أحد الأنبياء؛ حيث أصاب الناس قحط شديد وجفاف أحرق الزرع وجفف الضرع، فخرجوا إلى الصحراء يرفعون أكف الضراعة ويستسقون الله عز وجل، فلم تنزل قطرة واحدة من السماء، وعادوا دون مطر. فصلى أحد العارفين ، فرأى في منامه أو ألهم في وجدانه أن في الناس رجلاً يقيم على معصية الله عز وجل منذ أربعين سنة، وبسببه حُبس المطر عن الأمة كلها! فنادى المنادي في الناس: “يا هذا العاصي المقيم على الذنب منذ أربعين سنة، اخرج من بيننا فبسببك مُعنا المطر!”. فعلم العاصي في نفسه أنه هو المقصود، ونظر يميناً وشمالاً فلم يجد أحداً يخرج، فعلم أنه إن خرج افتضح بين الناس، وإن قعد حبس المطر عن المسلمين جميعاً، فدخل في كساء ثوبه، وغطى وجهه، وانفجر بالبكاء من أعماق قلبه ونادى ربه عز وجل بلسان الاضطرار والافتقار الصادق: “إلهي وسيدي، عصيتك أربعين سنة فأمهلتني، وقد جئتك اليوم تائباً مهاجراً إليك فاسترني ولا تفضحني بين عبادك!”. فلم يستتم دعاءه وقصته حتى انهمر المطر كأفواه القرب وسالت الأودية بالخير والبركة! فتعجب الناس وقالوا: “يا رب، سَقيتنا ولم يخرج من بيننا أحد!”، فجاء البيان الإلهي حكيماً بليغاً: “سقيتكم بالذي منعتكم به، لقد تاب عبدي وهجر معصيته!”. فانظروا كيف أن هجرة ذنب واحد صعدت بالعبد إلى مصاف المقربين، وأحيت أمة بأسرها ببركة التوبة وهجر الآثام المعاصي.
وانظروا كذلك إلى الموقف البليغ والقصة العظيمة التي تروى في سير الصالحين عن هجر أكل الحرام والشبهات، وهي قصة سيدي ومولاي سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه؛ فقد كان له غلام يأتيه بالخراج كل ليلة، فجاءه ذات ليلة بطعام، فأكل منه الصديق لقمة، فقال له الغلام: “أتدري ما هذا؟”، قال: “وما هو؟”، قال: “كنت قد تكهنت لرجل في الجاهلية وما أحسن الكهانة، ولكني خدعته، فلقيني اليوم فأعطاني هذا الطعام لشغل كاهن!”، فلما سمع سيدنا أبو بكر الصديق ذلك، انتفض بدنه، واهتز كيانه غضباً لله عز وجل، وهجراً لكل مال خبيث يبغضه رب العالمين، فأدخل إصبعه في حلقه وصار يتقيأ ويعالج نفسه حتى أخرج كل ما في بطنه من طعام وشبهة، حتى ظن الناس أن نفسه تخرج معها! فلما قيل له في ذلك، قال بلسان اليقين والإيمان الراسي: “والله لو لم تخرج هذه اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها، إني سمعت سيدنا رسول الله ﷺ يقول: كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به”. فهكذا تكون هجرة الحرام، وهكذا يكون الخوف من غضب الله عز وجل وبغضه، وهكذا تُبنى البيوت والأنفس على النقاء التام.
العنصر الثالث: الرحلة إلى ما يحبه الله عز وجل ويرضاه.. المسارعة في الخيرات وعمارة الأوطان
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إن الهجرة الحقيقية لا تقف عند حدود ترك المعاصي والآثام فحسب، بل لا بد للمهاجر الصادق بقلبه وجوارحه أن يشد رحال روحه وعزيمته متوجهاً ومسارعاً إلى كل ما يحبه الله عز وجل ويرضاه من الطاعات الباطنة والظاهرة، ومن الإخلاص في القول والعمل، وعمارة الأرض، ونفع العباد، وبناء الأوطان. فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن القلب إذا فرغ من حب الدنيا ومعاصيها وجب أن يُعمر بحب الله عز وجل وحب سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ، والمسارعة إلى مغفرة رب العالمين وجنته؛ فالكريم سبحانه وتعالى ينادي أهل الهمم العالية في سورة آل عمران مبيناً مسار الرحلة الحقيقية فيقول: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. فهذه هي المحاب الإلهية التي يهاجر إليها المؤمن بوجدانه وسلوكه في كل مطلع عام جديد.
وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال القصص النبوية والمواقف العظيمة التي توضح كيف كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يفهمون هذه الرحلة إلى ما يحبه الله عز وجل، وكيف كانوا يهاجرون بأموالهم وأنفسهم طلباً لرضوان الخالق سبحانه وتعالى؛ لنقف أمام قصة الصحابي الجليل سيدنا صهيب الرومي رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا أراد الهجرة بالبدن من مكة إلى المدينة، فتبعه كفار قريش ليمنعوه ويلحقوا به الأذى، فنزل عن راحلته ونثر كنانته وقال لهم بلسان العزة واليقين: “يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، والله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فإن كنتم تريدون مالي، فدلتكم على مكانه بمكة وخذوه ودعوني وشأني!”، فقبلوا المال وتركوا سبيله. فلما وصل صهيب إلى المدينة المنورة، ووقع بصره على وجه الحبيب المصطفى ﷺ، استقبله النبي ﷺ بوجه ضاحك مستبشر وقال له كلمته التاريخية الخالدة التي هزت الوجدان: ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى!. ونزل في حقه وفقه هجرته قول الحق عز وجل في سورة البقرة: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد. فانظروا كيف هجر صهيب الدنيا بأسرها وأموالها الفانية ليرحل إلى ما يحبه الله عز وجل ورسوله من نصرة الدين وإقامة الحق وبناء المجتمع الإيماني الجديد.
ومن القصص العظيمة والحية التي تبرز كيف تكون الرحلة إلى محاب الله عز وجل متمثلة في نفع الناس، والرفق بالخلق، وعمارة الأرض، ما يروى في سير الصحابة الكرام عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا قدم المهاجرون إلى المدينة المنورة، ولم يجدوا ماءً عذباً يستسيغونه، ولم يكن بالمدينة بئر ماء عذب إلا بئر يُقال لها “بئر رُومة”، وكان صاحبها رجلاً يبيع ماءها للمسلمين بالدرهم والدينار ويضيق عليهم في عيشتهم، فضاق حال المسلمين؛ فوقف سيدنا رسول الله ﷺ في المسجد منادياً ومحفزاً للهمم نحو أبواب الخير التي يحبها الله عز وجل فقال: من يشتري بئر رُومة فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟. فقام غني الأمة والرحيم بأهلها سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذهب فوراً مهاجراً بماله إلى رحاب الصدقة الجارية، فاشترى البئر من اليهودي بماله الخاص كاملاً، وأوقفها للمسلمين ولابن السبيل والفقير والوجيه بدون مقابل، فخفف عن الناس كربهم، ووسع عليهم في عيشتهم، وساهم في استقرار مجتمعه ووطنه ببركة هذا السخاء الإيماني الرفيع؛ فكان فعله هذا رحلة صادقة وبليغة إلى مرضات الله عز وجل وعمارة لبلد رسول الله ﷺ.
أيها المسلمون الأبرار، إن الرحلة إلى ما يحبه الله عز وجل تقتضي منا في هذا العام الجديد أن نحول إيماننا إلى واقع سلوكي يراه الناس في معاملاتنا؛ فحين يسارع الصانع إلى إتقان صنعته حباً لله عز وجل، وحين يسارع الطبيب إلى الرفق بمرضاه تودداً لله عز وجل، وحين يسارع المعلم إلى نصح تلاميذه وبناء عقولهم طلباً لمرضاة الله عز وجل، وحين يتعاون أبناء المجتمع على البر والتقوى وحماية الوطن من الشائعات والدسائس، نكون قد حققنا فقه الهجرة الحقيقية بأسمى معانيها، وعمرنا بيوتنا وأوطاننا بروح الإسلام الحنيف وسماحته الغراء الوسطية الراسية.
العنصر الرابع: الثبات على الطاعة في العام الجديد.. منهج الصحابة الكرام في استدامة العمل الصالح
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إن الثمرة الحقيقية لفقه الهجرة إلى الله عز وجل بالقلب والجوارح، تتجلى في صفة جليلة ركَّزت عليها الشريعة الإسلامية الغراء، وجعلتها ديدن الصالحين وشعار المتقين، ألا وهي صفة الثبات على الطاعة، والمداومة على العمل الصالح في هذا العام الجديد وما يليه من أعوام. إن العبرة في السير إلى الله عز وجل ليست بالبدايات المحرقة فحسب، بل بالخواتيم الصالحة والاستمرارية الراسخة؛ فالمهاجر الصادق لا يعبد ربه في مواسم الطاعات أو مطلع الأعوام ثم يعود إلى وادي الغفلة والمعصية، بل يلتزم الصراط المستقيم، ويثبت على نهج الهدى، مستشعراً أن أنفاس عمره معدودة، وأن كل يوم يمر يقربه من لقاء الملك الديان عز وجل، فالقرآن الكريم يضع لنا قاعدة الثبات الخالدة في سورة الحجر فيقول: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. واليقين هو الموت الذي تنتهي عنده رحلة العمل وتبدأ عنده رحلة الجزاء.
وتأملوا في المواقف والقصص النبوية الشريفة كيف كان الحبيب المصطفى ﷺ يربي قلوب الصحابة الكرام والناشئة على قيمة المداومة والاستمرارية، ويحذرهم بأبلغ بيان من التراجع والفتور بعد الإقبال؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وأرضاهما قال: قال لي رسول الله ﷺ توجيهاً تربوياً بليغاً يمس الوجدان: يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل. فانظروا يا عباد الله كيف يكره النبي ﷺ للمسلم أن يترك باباً من أبواب الخير كان قد فتحه والتمسه، وكيف جعل الانقطاع عن العمل الصالح خصلة مذمومة لا تليق بصدق المهاجرين إلى الله عز وجل؛ فالحق سبحانه يحب العمل الدائم وإن قل، كما روت لنا أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها في الحديث المتفق عليه عن النبي ﷺ قال: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
ولنا في مواقف الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم أروع الأمثلة الحية في شدة حرصهم على الثبات ومداومة العمل، حتى في أحلك الظروف وأصعب الأوقات؛ يروى في قصة مشهورة تفيض بالثبات والعزيمة عن سيدي ومولاي سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وكرم الله وجهه، أن سيدنا رسول الله ﷺ زاره ووزوجته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ذات ليلة، فعلمهما ذكراً جليلاً يثبت القلوب ويقوي الأبدان قبل النوم، فقال لهما: إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم. فما كان من سيدنا علي بن أبي طالب إلا أن استمسك بهذا الهدى النبوي وثبت عليه ثبات الجبال الطاميات؛ فلما سأله أحد تلاميذه بعد سنوات طويلة، وبعد أن مرت بالأمة الفتن والحروب والشدائد: “يا أمير المؤمنين، هل تركت هذه الكلمات منذ سمعتها من رسول الله ﷺ؟”، فنظر إليه سيدنا علي بلسان اليقين وقال: “والله ما تركتها منذ سمعتها من رسول الله ﷺ!”. فقيل له: “ولا ليلة صفين؟” -وهي الليلة القاسية التي دارت فيها المعركة واشتد فيها الكرب- فقال بثبات وشموخ: “ولا ليلة صفين!”. فهكذا يكون فقه الثبات، وهكذا يتأصل الهدى النبوي في نفوس الأبرار فلا يتزعزع بتغير الأيام والظروف والمحن والأعوام.
ويروى أيضاً في سياق المداومة وثبات السلف الصالح، قصة ممتعة عن الإمام الجليل والتابع الكريم سيدنا عاصم بن بهدلة، أحد أئمة القراء، أنه لما نزل به الموت وحضرته سكراته، وجلس أصحابه وأبناؤه حوله يبكون، كان الشيخ يفتح عينيه ويقراً قول الحق تبارك وتعالى في سورة الأنعام: ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين. ويرددها بصوت خاشع وعذب كأنه يقرأ في محرابه، فتعجب أصحابه من قوة ثباته واستحضاره للقرآن في تلك اللحظة القاسية، فقال لهم ابنه بلسان الفخر واليقين: “لا تعجبوا من أبي، فوالله لقد كان يختم القرآن في هذا المحراب كل ليلة منذ أربعين سنة!”. فمن عاش على شيء مات عليه، ومن ثبت على الطاعة في رخائه، ثبته الله عز وجل بالقول الثابت في شدته وعند مماته؛ فالهجرة السلوكية الصادقة صبغت حياتهم بنور الاستقامة فلم يلتفتوا وراءهم أبداً. وفي هذا الشموخ والجلال الإيماني الراسي يقول الشاعر:
عَلَى دَرْبِ الهِدَايَةِ كُنْ ثَبَاتاً … وَلَا تَرْكَنْ إِلَى دُنْيَا التَّصَابِي
فَمَا حَالُ المُهَاجِرِ إِنْ تَثَنَّى … وَعَادَ لِعَهْدِ غَفْلَاتِ الشَّبَابِ
سَلِ المَوْلَى الثَّبَاتَ بِكُلِّ حِينٍ … لِتَلْقَى الفَوْزَ فِي يَوْمِ الحِسَابِ
وَأَدِمْ لِلطَّاعَةِ الحُسْنَى صَنِيعاً … تَعِشْ حُرّاً مُصَاناً فِي الجَنَابِ
أيها المسلمون، إن الثبات على الطاعة في مطلع هذا العام الهجري الجديد يتطلب منا مجاهدة مستمرة للنفس، وصحبة للصالحين، والتعلق ببيوت الله عز وجل، والمداومة على قراءة القرآن الكريم وحفظ الجوارح عن الآثام. فحين يثبت المجتمع على قيم الأمانة، والوفاء، والتراحم، والتعاون على البر والتقوى، وحين تثبت الأمة على وسطية الإسلام وسماحته الرشيدة، يتحقق الأمن النفسي والاجتماعي، وتتحصن الأوطان ضد الفتن والمضلات، وتتوالي علينا بركات رب الأرض والسماوات. فاستمسكوا يا عباد الله بعهد طاعتكم، وجددوا نياتكم، واثبتوا على مهاجركم الإيماني، لتكونوا من الفائزين برضا رب العالمين وعفوه وكرمه الفسيح في الأولى والآخرة.
ادعوا الله عز وجل وأنتم موقنون بالإجابة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
الخطبة الثانية: التحذير من الغش في الامتحانات ضمن مبادرة صحح مفاهيمك
مجلة روح الاسلام فيض المعارف