
بقلم : الأديب والمؤرخ سيد الرشيدي
إن المتأمل في واقع الشارع المعاصر يلحظ بوضوح عمق الأزمة الأخلاقية والسلوكية التي يعيشها الكثير من الشباب؛ من بذاءة في الألفاظ، وتجرؤٍ في الهيئات، واستعلاءٍ على المبادئ والمروءة. فالشارع في حقيقته ليس إلا مرآة عاكسة لما يدور في كواليس البيوت، وفاضحاً لما تخفيه الجدران؛ إذ إن القاعدة التربوية الأزلية تؤكد أن “بضاعة البيت تظهر دائماً في سوق الشارع”. فالطرقات لا تخترع السلوك من العدم، بل هي المسرح الكبير الذي يُعرض عليه ما تم التدريب عليه طويلاً داخل الأسوار المنزلية.
في هذا المقال، أشخص أبرز القيم التربوية والنفسية التي فقدها الشباب في الفضاء العام، وأستعرض الحلول العملية المستلهمة من المنهج القرآني والنبوي لاستعادتها وبناء المناعة الأخلاقية:
1. الرقابة الذاتية (يقظة الضمير)
إن الغائب الأكبر في شوارعنا اليوم هو “الرقابة الداخلية” ويقظة الضمير. فقد نجح الانفتاح الرقمي والغزو الفكري في تحطيم مفهوم مراقبة الله واستبدالها برقابة الناس أو الكاميرات. وبناءً عليه، يميل بعض الشباب إلى “الازدواجية المقيتة”؛ فيكون الابن هادئاً مطيعاً داخل بيته تحت سطوة السلطة الوالدية، ولكنه يتحول إلى متبجح أو متنمر بمجرد خروجه إلى الفضاء العام وغياب العين المراقبة له.
طريق العلاج:
الانتقال بالتربية من “سلطة المنع والخوف” إلى “تربية القناعة” وغرس مفهوم الإحسان. ويبرز هنا إعجاز الوصية اللقمانية في القرآن الكريم: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ}. تدريب الشباب على هذه العقيدة يزرع في نفوسهم أن الله يراهم في خلوتهم الرقمية وفي زحام المواصلات على حد سواء، مما يصنع حارساً داخلياً يمنعهم من الخطأ وإن غاب الرقيب البشري.
2. سَمْت الوقار وعفة الجسد :
لقد فَقَد الشارع قيم الاعتدال والسكينة في الحركة، وحل محلها ما يمكن تسميته بـ “البلطجة الحركية” أو “التبجح الاستعراضي”؛ حيث يقلد الشباب مشية المنفلتين والخارجين عن القانون التي تبثها بعض وسائل الإعلام، ظناً منهم أن خفة الحركة والاستعراض الجسدي يمنحان القوة والهيبة وسط الأقران.
طريق العلاج:
العودة إلى “مدرسة القصد” القرآنية التي تضبط حركة الإنسان في الأرض، كما في التوجيه الإلهي: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} والآية الكريمة: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}. فالوقار في المشي والخطوات المتزنة تعكس ثباتاً نفسياً عميقاً، وتصنع حول الشاب “منطقة أمان” تفرض الاحترام الجبري على المارة، وتكسر حدة تجرؤ السفهاء عليه.
3. هيبة المنطق وعفة الصوت (السيادة اللفظية)
لقد انحدرت لغة الحوار اليومي بين الشباب في الطرقات والجامعات بشكل متسارع، حيث أصبحت الألفاظ السوقية والبذيئة تُسمى بين العوام “خفة دم” أو “مواكبة للعصر”، وصارت سلاطة اللسان تُفسر خطأً بأنها “قوة شخصية”، نتيجة محاكاة محتويات الإنترنت الهابطة. كما انتشرت ظاهرة التميع اللغوي والرموز الجافة التي تفتقر لروح التوقير والاحترام المقترن بالمروءة العربية والشرعية.
طريق العلاج:
تفعيل التوجيه الرباني الصارم: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}. يعلمنا علم النفس التربوي أن الصوت العالي والصراخ في الشوارع دليل على الهشاشة النفسية ومحاولة تعويض نقص الهيبة بالضجيج. أما العفة اللفظية والمنطق الهادئ فهما “فعل استعلاء” وترفعٍ ذاتي عن الوحل الأخلاقي، مما يعيد للمظهر الشبابي وقاره وجاذبيته المحترمة.
4. قيمة الحياء (الرجولي والأنثوي)
يعاد تعريف الحياء في زمن التبجح بأنه ليس ضعفاً أو “فوبيا اجتماعية” وانعزالاً كما تحاول بعض الثقافات الوافدة ترويجه، بل هو “قوة نفسية وإرادة صلبة”. لقد فقد الشارع حياء غض البصر وخفض الصوت لدى الشباب، وفقدت بعض الفتيات حياء الحشمة ووقار الخطوات طلباً لافتراس الأنظار واللفت البرّاق للانتباه في الطرقات.
طريق العلاج:
استلهام النموذج القرآني الفريد في العفة والحشمة المتمثل في ابنة شعيب عليه السلام: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}. فالوقار في الحركة والحشمة في المظهر يرسلان رسالة فورية ومباشرة لكل من في الشارع بالاحترام والترفع. كما أن حياء الشاب ورجولته يمنعانه من بذائة اللسان أو التحرش أو إيذاء المارة في المواصلات العامة تعظيماً لنفسه ومروءته قبل كل شيء.
5. حماية المواعيد وتخيّر الصحبة:
من الظواهر المقلقة في الشارع المعاصر ظاهرة “السهر المنفلت” خارج المنزل والتمرد على مواعيد البيوت بدعوى الحرية والاستقلال؛ حيث يتحول الشارع بعد منتصف الليل إلى بيئة خصبة للاستخفاء والانحراف، ومصيدة يسهل فيها تجريد الشباب من هويتهم وسحبهم إلى فخ الممارسات الخاطئة أو الإدمان نتيجة ضغط الرفقة أو ما يُعرف بـ “ضغط الشلة”.
طريق العلاج:
إعادة بناء التماسك الأسري عبر وضع “ميثاق صارم ومحترم للمواعيد” داخل الأسرة لحماية الأبناء، مع ضرورة تفعيل الرقابة الذكية في اختيار الصاحب، انطلاقاً من التوجيه النبوي الذي شبه الجليس الصالح بحامل المسك وجليس السوء بنافخ الكير. كما يجب على الآباء والأمهات إشباع أبنائهم عاطفياً ومشاركتهم أحاديثهم واهتماماتهم حتى لا يهربوا من جفاء البيوت إلى حضن الشارع الموحش.
أقول :
إن استعادة السيادة الأخلاقية وضبط سلوكيات الشارع يمثلان طوق النجاة لبناء “الأنفة الإيمانية” والمناعة الأخلاقية في وجدان الجيل الجديد. فالأمر لا يتطلب مزيداً من القوانين الزجرية بقدر ما يتطلب استعادة الأسرة والمؤسسات التربوية لدورها القيادي، وتربية جيل يعتز بهويته وجذوره الأصيلة مستغنياً بالقيم السامية والقرآن والسنة عن السلوكيات الدخيلة. إن الشاب الوقور الذي يمشي بحيائه، ويقتحم الزحام بعفة لسانه وهدوء صوته، هو الثمرة الحقيقية التي تعيد للمجتمع أمنه الأخلاقي المفقود.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف