جيوش الظل (العدو القريب والصديق الغادر)

المقال الأول من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

أيها القارئ الكريم، حين أمسكت بالقلم لأسطر هذه الصفحات لم أكن مدفوعًا برغبة في الترف الفكري أو زيادة عدد المؤلفات على رفوف المكتبات، بل حملتني إلى هذا العمل نار مشتعلة في قلبي وجرح نازف في وجداني، إذ أرى أمتي تُحاصر من كل جانب، وتُستنزف قواها، ويُعبث بذاكرتها وهويتها، حتى غدت مشاعًا لكل طامع ولكل خائن. لم تعد الحرب التي نواجهها تقليدية بسيوف وفرسان، ولا حتى بدبابات وصواريخ، بل غدت أكثر دهاءً وفتكًا، حربًا تتسلل إلى أعماقنا، إلى وعينا، إلى بيوتنا، وإلى عقول أبنائنا، حربًا تقودها جيوش من الظل لا نكاد نراها، لكنها تترك أثرًا بالغًا في كل تفصيلة من تفاصيل حياتنا. هؤلاء ليسوا مجرد خصوم سياسيين أو منافسين على المصالح، بل هم خونة باعوا أنفسهم لغير أمتهم، فتحولوا إلى أدوات حقيرة في مشروع أكبر منهم جميعًا، مشروع يُدار من وراء البحار ليضرب الأمة من الداخل بعد أن عجز عن كسرها من الخارج.

لقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط حين تُهزم في معركة أو حين تحتل أرضها، فالتاريخ ملآن بأمم عادت إلى الحياة بعد قرون من الاحتلال، لكن السقوط الحقيقي يبدأ حين يتمكن العدو من زرع عملائه بين الصفوف، فيصبحون جزءًا من النسيج الظاهري للأمة، بينما هم في الحقيقة خيوط مسمومة تعمل على تمزيقها من الداخل. من هنا نشأت فكرة “جيوش الظل”، تلك القوى المظلمة التي لا ترفع راية معلنة ولا تسير في صفوف ظاهرة، لكنها أشد فتكًا من الجيوش المعلنة، لأنها تضرب حيث لا نتوقع، وتفتك حين نظن أننا في مأمن.

وقد شاءت الأقدار أن نشهد في عصرنا هذا أشكالًا جديدة من هذه الجيوش، جيوشًا تتخذ من الدين ستارًا، ومن الإعلام منبرًا، ومن الثقافة والفن وسيلة، ومن الاقتصاد والشركات العابرة للقارات أداة، ومن مواقع التواصل الاجتماعي ساحة قتال حديثة. إنها جيوش لا تنام، تنفق الأموال وتبني المنصات، وتوظف الأتباع والعملاء، كل ذلك لهدف واحد: أن تظل هذه الأمة متفرقة، متناحرة، غارقة في صراعاتها الداخلية، لا تملك أن تنهض ولا أن تدافع عن نفسها. إنهم لا يأتون في صورة أعداء مكشوفين، بل يأتون بملامح مألوفة، بأسماء من بيئتنا، بشعارات من لغتنا، بل أحيانًا بشعارات من ديننا ذاته. ولعل هذا أخطر ما في الأمر، أن يختلط الحق بالباطل، وأن يُستغل الدين والهوية ليكونا جسرًا يعبر منه الاحتلال الرقمي والفكري إلى قلوب أبنائنا.

إنني حين أكتب هذه السطور لا أزعم أنني أقدّم كشفًا كاملًا لكل تفاصيل هذه الحرب، فهي أوسع وأعقد من أن تُحصر في كتاب واحد، لكنني أقدّم محاولة لرفع الغطاء عن بعض الوجوه التي تعمل في الخفاء، وأرسم ملامح الطريق الذي يسلكه هؤلاء العملاء في اختراق جسد الأمة. إنهم “جيوش الظل”، الذين إن بقوا بلا كشف ولا مواجهة، فلن تكون معركتنا القادمة ضد العدو الظاهر إلا معركة خاسرة سلفًا، لأن الداخل سيكون قد استُنزف وخُرب قبل أن يبدأ الخارج هجومه. إنني أكتب هذا الكتاب بوعي أن القلم اليوم قد يكون أحيانًا أشد أثرًا من السيف، وأن الكلمة الصادقة إذا خرجت من قلب يؤمن بأمته قد تكون أشد وقعًا