حماية الحكومة البريطانية للوهابيين
4 مايو، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

اعداد الاستاذ / سيد حسن
المقال الحادى والعشرون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
أكدت حكومة الهند (البريطانية)على المقيم “بيللي” في ذي القعدة ۱۲۸۱هـ / ۲۲ آذار ١٨٦٥ أن يلتقي بحاكم مسقط ويفضي إليه بما يعتقد أنه الصواب على حد تقديره. كما كتبت الحكومة إلى السلطان تقول له إنها أرسلت تعليماتها إلى “بيللي” التي تقضي بوجوب أن : يحسن السلطان علاقاته مع الوهابيين وكان “بيللي” قد أرسل كتاباً إلى حكومته يخبرها فيه أنه كتب إلى فيصل رسالة رقيقة أشاد فيها بعدالة والإمام» وسعة حكمته وحنكته وحرصه على استتباب الأمن وسيادة النظام ، وعبر له عن الأمل في أن يجد منه كل العون لتحقيق الأمن وإقامة السلام.
ثم قام “بيللي” بزيارة إلى الجزيرة العربية مثبتاً ، كما يدعي، وللجمعية الجغرافية الملكية ، أنه يستطيع التغلب على الخطر الذي يتمثل بالذهاب إلى حيث السكان المنغلقون على أنفسهم ، ذلك أنه على الضابط أن يذهب إلى أي مكان يدعوه إليه الواجب الحكومي، وذلك على ما هو واضح ، تكريساً لمفهوم مسؤولية الرجل الأبيض في تمدين العالم ، لا سيما وقد سبقه “بالغريف” الفرنسي مبعوثاً من إمبراطور فرنسا تمشياً مع سياسة نابليون الثالث الذي سعى لتحقيق حلم نابليون الأول في إقامة إمبراطورية عربية تضم أمة لها مميزاتها وتطلعاتها ولغتها وتمتد لتشمل مصر ، وشبه الجزيرة العربية وأجزاء من أفريقيا وكان نابليون الثالث يريد أن تضم إمبراطورية كهذه إلى فرنسا فأعلن سنة ١٨٦٠ م / ١٢٧٠هـ نفسه إمبراطوراً على العرب وليس على فرنسا وحدها.
ولكن عبد الله ولي عهد الأمير فيصل اضطر إلى طرد “بالغريف” بعد أن أقام فترة لدى والده بحجة أنه جاسوس يعمل لحساب قوة دولية تسعى لفساد أمر الدين والدنيا في البلاد السعودية، الأمر الذي يبدو أن عبد الله لا يعتبراً أن الإنكليز يسعون إليه.
لقد زار “بيللي” الرياض وعاد في ٢٥ آذار ١٨٦٥ ، ويبدو أنه لم يتفق وفيصل على كامل أهداف الزيارة ، فبريطانيا التي كانت الجهة التي طلبت تعيين فيصل أميراً، كانت تريده بحجم معين لا يتجاوزه إلى التهديد الجدي لعملائها المباشرين مشايخ الإمارات ولا إلى تعكير علاقاتها بالدولة العثمانية التي كانت في مرض الموت تعيش على توازن العلاقات الدولية وعدم اتفاقها على اقتسام أشلائها .
هذا وكانت مسألة قوة الدولة الوهابية بدأت تثير مخاوف بريطانيا . فالموظفون بدأوا يدركون أن قوة الوهابية سيف ذو حدين ، وإذا كان هؤلاء الموظفون يستطيعون ضبط سلوك الأمراء فهم لا يستطيعون ضبط سلوك القوى اليدوية المدفوعة من جهة بالعداء للكفار، وهو العداء الذي يمكن إذا تحرك إلى الفعل أن يلقي تجاوباً بين مسلمي الهند ، والمدفوعة من جهة أخرى بغريزة الغزو والنهب. وهذا ما كان يقضي على موظفي بريطانيا أن يتبعوا سياسة تحجيمية دائمة . فقد جاء في تقرير مرسل من حكومة بومباي إلى حكومة الهند : “لا شك أن الوهابيين قد استعادوا الآن مجالات نشاطهم السابقة كقوة سياسية في داخل الجزيرة العربية وكقادة للتعصب الذي بدأ يظهر في الهند”.
وفي مطلق الأحوال فإن “بيللي” قد عاد بانطباع أن فيصل لا يريد منازعة الدولة العثمانية التي كانت قد افتتحت مناطق سيطرة أجداده ، ولكنه يطمح إلى الاستيلاء على الحجاز ، دون أن يمتلك الجرأة على التحرك إلا إذا لقي مساعدة من قوة دولية أخرى.
هذا وقد فتحت زيارة بيللي الباب لحركة تبادل رسائل مع الأمير وهو بالمناسبة شبه أمي ليشرح له الأمور السياسية الدولية ويثقفه ليسهل عليه توجيهه وقد أفهم بهذه المناسبة أن توسط “بيللي” بينه وبين أمير مسقط لا يعدو كونه أسلوباً من الأساليب التي تمارس بين الدول الصديقة ، وهو الأسلوب الذي تعالج به المسائل السياسية في أوروبا إذ يمكن أن تتدخل قوة صديقة لتصلح بين دولتين متخاصمتين.
وفي تشرين الأول ١٨٦٥م /۱۲۸۲ هـ توفي فيصل بن تركي بعد أن ساءت علاقته بالبريطانيين بسبب إغارة أتباعه في البريمي على ساحل صور حيث احتلوها واستولوا على أموال التجار ومعظمهم من الرعاياء البريطانيين ، وقتل في الهجوم أحد الإنكليز وانتهى الأمر بالقوات البريطانية أن حاولت الإغارة على الدمام ولكن المهمة فشلت ، فتحولت القوة البحرية البريطانية إلى صور التي تسكنها قبيلة «الجنبة الموالية للوهابيين وبدأت قصفها في ١١ شباط . وتبين في ما بعد أن المقيم تصرف حسب اجتهاده لأن حكومة الهند ما لبثت أن وجهت إليه اللوم على تصرفه هذا ، لا سيما وأن الرعايا الذين انتقمت القوة لهم هم من الهنود الذين يعتبرون أنفسهم رعايا بريطانيين وليسوا بريطانيين أصليين. هذا وكانت وفاة فيصل بداية محنة جديدة للعائلة السعودية التي الخلاف بين أفرادها على الحكم. وكان مما قام به عبد الله بن فيصل الذي شعر بتهديد أخيه سعود ، أن أوفد رسولاً إلى المقيمية البريطانية في بوشهر لتحسين العلاقات معها من جهة ولطلب المساندة ضد أخيه من جهة أخرى. وتعهد عبد الله بعدم التعرض للإمارات التي تحميها بريطانيا في الخليج ما خلا مسألة المطالبة بالزكاة . فوردت التعليمات للمقيم بأن يتجاوب مع الرغبة السعودية في إعادة علاقات الصداقة بين الجانبين.
هذا وقد أكد الرسل الوهابيون على المعاهدات الوهابية – البريطانية ، ولكن الإنكليز لم يعترفوا بمعاهدات من هذا النوع ، ولكن اعترفوا فقط بأنه تبودلت رسائل تعبر عن صداقة السلطات البريطانية للوهابيين . ويبدو هنا أن الإنكليز كانوا يبتزون الأمير عبد الله الذي كان لا يزال على علاقة بالسلطات العثمانية ، التي كان يشكو إليها من التعديات البريطانية ، دون أن يحصل على نتيجة لأن والي بغداد كان يدرك أن الوهابيين يلعبون على الحبال.
وفي سنة ١٨٦٧ حاول شيخ أبو ظبي وشيخ البحرين مجتمعين أن يشنا هجوماً على القبائل الوهابية القاطنة على ساحل قطر، فما كان من السفن البريطانية إلا أن تصدت للسفن المهاجمة فردتها على أعقابها.
وفي تموز ١٨٦٩ ، عندما استولى عزان بن قيس ، إمام عمان على البريمي ، لم تستحسن السلطات البريطانية هذا التصرف . وعندما تقدمت القوات الوهابية لاستعادة الواحة ، طلبت سلطات بومباي من وكيلها في مسقط ومن المقيم في بوشهر التزام الحياد . ولكن لما أصبحت الحرب وشيكة صدرت التعليمات إلى المقيم “بيللي” بمواجهة الموقف.
وأخيراً وعندما أمر مدحت باشا باحتلال الإحساء سنة ١٨٧١ ، كان ينوي احتلال الرياض أيضاً ولكن الضغوط البريطانية الشديدة هي التي منعت الزحف العثماني من تحقيق هذا الهدف.
غير أن نهاية الدولة الوهابية الثانية أنت سريعة ، فلدى موت فيصل نشبت الخلافات بين أبنائه . فقد كان الأمير قد عين ابنه الأكبر عبد الله ولياً لعهده ، ولكن إخوته سعوداً ومحمداً وعبد الرحمن نازعوه . وقد انتهت هذه الخلافات بزوال الإمارة حتى أعادها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل في بداية القرن العشرين.
وفي أثناء الغياب الوهابي عن مسرح الأحداث ، حاولت بريطانيا التي فقدت عنصراً من عناصر استقرار نفوذها ، أن تقيم لنفسها موطىء قدم على ساحل الإحساء عن طريق إنشاء إمارة تتمرد على الدولة العثمانية وترتبط ببريطانيا كسائر الإمارات، ولكنها فشلت عندما رفض منصور باشا ابن جمعة حاكم المنطقة سنة ۱۸۹۹ عرض الممثل البريطاني في البحرين نيابة عن حكومته ، بالاستقلال عن الدولة العثمانية . ولكن السلطات البريطانية لم تيأس وكررت المحاولة في ما بعد ، سنة ١٩٠٥ مع حسين النصر عمدة سيهات فرفض العمدة عرضها هو الآخر.
وأخيراً جرت محاولة جديدة سنة ۱۹۰۷ على يدي “برسي كوكس” ولكنها فشلت أيضاً ، فقد نزل هذا المقيم البريطاني الجديد ضيفاً عند منصور باشا ابن جمعة في قصره بالقطيف محاولاً إقناعه بالاستقلال ولكن منصوراً رفض المغريات البريطانية انطلاقاً من شعوره الديني الذي منعه من التنكر للدولة الإسلامية في ذلك الوقت.
وما كان بإمكان السلطات البريطانية إلا أن تنتظر استيلاء الوهابيين على الساحل من جديد لتحقق أهدافها ، وقد مهدت لذلك بأن سرقت البريد المرسل إلى السلطات العثمانية في العراق من قبل ابن جمعة ، فوجدته يحمل تصريحاً للباب العالي على التخلص من ابن سعود العائد إلى نجد وجوارها ، فسلمت السلطات الإنكليزية هذا البريد إلى عبد العزيز الذي عمد إلى اغتيال ابن جمعة وتشريد أسرته ونهب أموالها والاستيلاء على عقاراتها. وهذا كله جرى في بداية تأسيس الدولة السعودية الثالثة.