تحرير سيناء.. ملحمة اليقين والسيادة بقلم
26 أبريل، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية بجامعة الأزهر
تظل ذكرى تحرير سيناء في الوعي المصري والعربي والإسلامي نقطة تحول كبرى، مثالا حياً لمعاني العزة والكرامة التي أرساها الإسلام في نفوس أتباعه، إن سيناء، تلك البقعة المباركة التي شرفها الله بالذكر في القرآن الكريم، واختارها مسرحاً لتجليه وخطابه لنبيه موسى عليه السلام، هي قلب استراتيجي وعمق إيماني يربط بين نصر الماضي واستشراف المستقبل، وانطلاقًا من تقدير قيمة الأرض التي قدسها الله، فسيناء هي الأرض المقدسة والوادي المقدس طوى، وهي ممر الأنبياء وموطن البركات، والحفاظ على هذه الأرض وتطهيرها من دنس الاحتلال هو واجب وطني قومي، وفريضة شرعية تندرج تحت باب دفع العدو واسترداد الحقوق المغتصبة، فالإسلام لا يقر بالاحتلال ولا يعترف بسياسة الأمر الواقع التي تفرضها القوة، فيربي أبناءه على أن من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أرضه فهو شهيد.
وتعد هذه الروح الإيمانية هي الوقود الحقيقي الذي حرك المقاتل المصري في معركة العبور وما تلاها من مراحل التحرير، فعندما نادت المآذن الله أكبر في العاشر من رمضان، كان استحضاراً لمدد السماء، وإيماناً بأن النصر لا يتحقق إلا بالجمع بين الأخذ بالأسباب المادية والاعتماد على القوة الإلهية، ويعلمنا التاريخ الإسلامي أن استرداد الحقوق يتطلب نفساً طويلاً وتكاملاً بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، فتحرير سيناء كان نتاج رؤية متكاملة جمعت بين القوة التي أذلت كبرياء العدو في حرب أكتوبر 1973، وبين الحكمة التي أدارت التفاوض السياسي حتى استعادة آخر شبر في طابا.
وينسجم هذا التوازن مع الهدي النبوي في صلح الحديبية وغيرها من المعاهدات ويكشف عن عمق الوعي السياسي في الإسلام؛ فكما كان الصلح فتحاً مبيناً لأنه أتاح للمسلمين فرصة التقاط الأنفاس ونشر الدعوة وتثبيت أركان الدولة، كان استرداد سيناء عبر المسارين العسكري والدبلوماسي تطبيقاً معاصراً لفقه المصالح العليا، فالإسلام لا يقدس الحرب لذاتها، ولكن يراها وسيلة لردع العدوان وإقرار العدل، فإذا تحقق الغرض بالدبلوماسية مع الحفاظ على المنعة والكرامة، كان ذلك عين الحكمة، ومن ثم فإن هذا النهج يدحض ادعاءات الفكر المتطرف الذي يحصر المواجهة في الصدام الدائم، ويغفل عن جهاد البناء وبراعة التفاوض كأدوات شرعية لاستخلاص الحقوق المسلوبة.
إن تحرير سيناء تجعل من الحفاظ على السيادة عبادة يُتقرب بها إلى الله، فالمؤمن لا يقبل الضيم في دينه ولا في أرضه، كما إن المفاوض الذي استند إلى انتصار العاشر من رمضان، كان يتحرك بظهير شعبي استمد يقينه من قوله تعالى: (وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (سورة آل عمران آية 139)، مما جعل من استعادة طابا بالتحكيم الدولي معركة كرامة لا تقل ضراوة عن معركة العبور بالدبابات، ومن ثم قدم هذا التلاحم بين القيادة والشعب، وبين القوة الصلبة والحجة القانونية، للعالم نموذجاً إسلامياً حضارياً في كيفية إدارة الصراعات الكبرى، مؤكداً أن الحق الذي يسنده الإيمان وتدرعه القوة لا يمكن أن يضيع، وأن السلام الحقيقي هو الذي يصنع بقرار الأقوياء وتضحيات الشهداء.
وبدأ التحرير الحقيقي لسيناء بالعمران، حيث يقتضي الاستخلاف في الأرض تحويل سيناء من منطقة حدودية صامتة إلى خلية نحل تنموية، فالتنمية هي حائط الصد الأول ضد أي أطماع مستقبلية، وهي الوسيلة المثلى لتثبيت السيادة، ومن ثم جاء ربط سيناء بالوادي عبر الأنفاق والجسور، وتوطين ملايين المصريين في ربوعها، وزراعة صحرائها، وبناء المصانع والجامعات فيها، هو التطبيق العملي لقوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)(سورة هود آية 61) فالعمارة هي الوجه الآخر للجهاد، والعمل على إحياء الأرض الموات هو عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، مما يجعل من سيناء جسراً حقيقياً للتنمية والرخاء.
تعد سيناء في ظل الأحداث المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، حجر زاوية في الأمن القومي الإسلامي، حيث إن المحاولات المتكررة لزعزعة استقرار هذه البقعة، سواء عبر الإرهاب المتطرف أو الضغوط الإقليمية، تتطلب وعياً إسلامياً رشيداً، فالإسلام الذي أمر بالتحرير، هو نفسه الذي حرم الغلو والتطرف، وأمر بالحفاظ على الدولة ومؤسساتها، إن حماية سيناء اليوم تتطلب تكاتفاً بين الشعب والقيادة، واليقظة تجاه المخططات التي تهدف إلى تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها أو المساس بالسيادة المصرية، ومن ثم يتوجب علينا فهم أبعاد الأمن الفكري بقدر الاهتمام بالأمن العسكري، لضمان ألا تستغل العواطف الدينية في تمزيق النسيج الوطني الذي كان صمام الأمان في كل حروب التحرير.
إن ذكرى تحرير سيناء يجب أن تظل حية في عقول الشباب، كدرس مستمر في صناعة الأمل، حيث إن العجز واليأس ليسا من أخلاق المؤمن، وما حققه الأجداد في استعادة سيناء رغم اختلال موازين القوى آنذاك، هو برهان ساطع على أن إرادة الشعوب المستمدة من إرادة الله لا تقهر، ويجب أن نربي الأجيال على أن سيناء هي أمانة في أعناقهم، حمايتها واجب، وتنميتها شرف، والافتخار بها جزء من الانتماء لهذا الدين وهذه الأرض. إن استقرار سيناء هو استقرار للقلب النابض للعالم الإسلامي، وقوة مصر في سيادتها على كامل ترابها هي قوة لكل من يؤمن بالعدل والسلام القائم على القوة.
وانتقلت معركة الحفاظ على سيناء اليوم إلى ميادين الوعي والفكر، وهو ما يفرض على الشباب المسلم أن يكون على قدر المسؤولية في فهم أبعاد الأمن القومي، فالإسلام الذي حث على رباط الخيل، يحث اليوم على امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا وإدراك حجم المؤامرات التي تستهدف الوطن والأجيال، إن تربية الأجيال على أن سيناء هي خط أحمر عقدي ووطني، تعني تحصينهم ضد الشائعات ومحاولات إحباط الروح المعنوية، وغرس يقين بأن الحفاظ على منجزات التحرير هو امتداد لبطولات أكتوبر، فالمواطن الواعي هو الجندي الأول في حماية حدود بلاده من الاختراق الفكري والمادي.
وذلك يحتم انتقال الشباب من مرحلة الاحتفاء بالذكرى إلى مرحلة الاستخلاف بالعمران؛ فسيناء التي رويت بدماء الشهداء ليزكو ترابها بعرق العاملين المخلصين، إن توجيه طاقات الشباب نحو استثمار ثروات سيناء، وتعمير صحرائها، وبناء مجتمعات حضارية متكاملة فيها، هو أسمى صور الشكر لله على نعمة التحرير، فالتنمية الشاملة هي الجهاد الأكبر وهي الضمانة الوحيدة التي تجعل من سيناء حصناً عصياً على الانكسار، وجسراً يربط بين عراقة الماضي وإشراق المستقبل، لتظل مصر دائماً قوية عزيزة، تشكل بصمودها وسيادتها صمام أمان للأمة الإسلامية جمعاء في وجه كل الطامعين.
ويرسخ هذا اليقين الذي توجته معارك التحرير في الوجدان حقيقة إيمانية ثابتة، وهي أن نصر الله ثمرة استحقاق تجتنى بالجمع بين ِدق التوكل وحسن التدبير، فسيناء اليوم رمزية حية لانتصار الإرادة الإسلامية على محاولات التغييب، ومنارة تبعث بالأمل في نفوس الأمة بأن استعادة المقدسات وصون الحرمات ممكنة ومتوقعة إذا ما استجمعت الشعوب قواها، ووحدت صفوفها، واعتصمت بقيمها، وستظل تضحيات الشهداء على رمالها الطاهرة ديناً في رقاب الأحياء، يدفعهم نحو التمسك بوحدتهم الوطنية والالتفاف حول ثوابتهم، لتبقى راية الحق خفاقة، وليظل فجر سيناء الذي بزغ بنور الإيمان شاهداً أبدياً على أن الأرض التي يباركها الله، لا يفرط فيها مؤمن، ولا يستقر فيها غاصب، وأن العاقبة دائماً للمتقين المخلصين.