خواطر حول العبقرية


بقلم : جيهان عبد العزيز بدر (سما الشاطبي)

الواعظة المعتمدة بوزارة الأوقاف

سئلت يوما عن معنى العبقرية ووقتها لم يكن السؤال عاديا كأنه جاء في لحظة صمت غير متوقعة فعلق في الذهن أكثر مما ينبغي وظل يتحرك في داخلي دون أن أجد له استقرارا واضحا فجلست أفكر هل العبقرية هي التفوق في الدراسة فقط أم هي أن يكون الإنسان أسرع فهما من غيره وأقوى حفظا أم أن الأمر كله مرتبط بالشهادات والنتائج التي يراها الناس ثم وجدتني أضيق هذا المعنى شيئا فشيئا وأبتعد عنه لأن الواقع لا يبدو بهذه البساطة

فقلت ربما العبقرية تظهر في أشياء أخرى في طريقة تعامل الإنسان مع من حوله في قدرته على أن يفهم الناس دون ضجيج وفي أن يترك أثرا طيبا دون أن يتكلف وفي حسن تدبيره لحياته حين يوازن بين ما يملك وما يريد وقد تكون في فكرة جديدة يبتكرها الإنسان أو حل لمشكلة لم ينتبه لها غيره أو حتى في نظرة مختلفة للأشياء العادية التي يمر بها الجميع

ثم توقفت قليلا لأن كل تعريف كنت أحاول تثبيته كان ينفتح على تعريف آخر وكأن العبقرية لا تحب أن تُحاصر في شكل واحد هي تتغير حسب صاحبها وحسب مجاله أحيانا تكون علما وأحيانا تكون خلقا وأحيانا تكون صبرا وأحيانا تكون قدرة على الاستمرار رغم ما لا يُرى من تعب

وفي لحظة أهدأ من غيرها شعرت أن المقياس الأقرب ليس في الاسم الذي نطلقه على الإنسان ولا في المجال الذي يبرع فيه بل في الأثر الذي يتركه فمن استطاع أن يضيف شيئا نافعا في حياة غيره أو أن يغير فكرة أو يفتح باب فهم أو يخفف ثقل طريق فقد لامس معنى من معاني العبقرية حتى لو لم يُسمه أحد بهذا الاسم وفي النهاية خرجت من السؤال دون إجابة نهائية بل بإحساس مختلف أن العبقرية ليست صفة ثابتة بل طريقة في النظر إلى الحياة وطريقة في أن يكون الإنسان نافعا بما يستطيع لا أكثر ولا أقل