حادثةُ المرأةِ المنتقبةِ التي أقدمت على خطفِ طفلٍ، وما أعقبها من دعواتٍ متسارعةٍ إلى منعِ النقاب بحجَّة التخفِّي خلفه وارتكاب الجرائم، ليست مجرَّد واقعةٍ عابرة، بل هي نافذةٌ كاشفةٌ عن منهجٍ قديمٍ يتربَّص بالأحداث، وينتظر الفرص.
فما إن وقعت الحادثة، حتى انصرف بعضُ الناس عن أصل الجريمة، فلم يُسمع لهم صوتٌ يطالب بعقوبةٍ رادعةٍ للجانية، ولا باقتراح حلولٍ جادَّةٍ تمنع تكرار مثل هذه الوقائع، بل اتجهوا مباشرةً إلى توظيف الحدث لخدمة قضايا مؤجَّلة. وهنا يظهر بجلاءٍ معنى: الصيد في الماء العكر.
ولو سلَّمنا – جدلًا – بهذا المنطق المختل، لَلَزِمَ منه ما لا يقول به أصحابه؛ فلو أنَّ طائفةً من الناس انتحلت شخصياتٍ أخرى لارتكاب الجرائم، فمثلا لو أن طبيبا أو مدرسا أو مهندسا ارتكب جريمة، فهل يُقال بإلغاء الشخصيات كلِّها؟! أم يُعاقَب الجاني، ويُترك الأصلُ على ما هو عليه؟ إنَّ الجواب البدهي الذي لا يماري فيه عاقل: أنَّ الخطأ يُنسب إلى فاعله، لا إلى الأصل المشروع.
وهذا هو الميزان الذي قرَّرته القواعدُ الأصوليةُ المحكمة، ومن ذلك: “لا يُبطَل الأصلُ بسبب سوء الاستعمال”
و**”العبرةُ بالغالب لا بالنادر”** فلا يُعقل – ولا يُقبل شرعًا – أن تُتَّخذ حالةٌ فرديةٌ ذريعةً لإلغاء أصلٍ عام، ولا أن يُعمَّم حكمُ الجريمة على غير الجاني.
ولو فُتح هذا الباب، لفسدت المقاييس، واضطربت الأحكام، ولصار كلُّ أصلٍ عرضةً للهدم، وكلُّ نظامٍ قابلًا للإلغاء، لمجرَّد إساءة استعماله من قِبل بعض الأفراد.
ومع ذلك، فإنَّ هؤلاء لم ينشغلوا بالفعل الجرمي، ولا بحماية المجتمع، بل انشغلوا بإثارة سؤالٍ قديمٍ متجدِّد:
هل النقاب فريضة؟ أم سُنَّة؟ أم عادة؟
ثم انتهوا – على عجلٍ – إلى نفي صلته بالدين، وبنوا على ذلك دعواتٍ صريحةً إلى منعه، تبدأ بالمؤسسات العامة، ولا يُستبعد أن تنتهي إلى الحظر العام. غير أنَّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح:
هل هذا مطلبٌ شعبيٌّ حقيقي؟ باعتبار أنَّ الشعب هو الذي تقع له هذه الجرائم، وهو الأحقُّ بتحديد ما يحفظ أمنه وقيمه؟
أم أنَّه مطلبُ فئةٍ محدودةٍ، تسعى إلى فرض رؤيتها، مستغلةً حدثًا عارضًا؟ ثم إنَّ العدل يقتضي اتساق المعايير، لا ازدواجها.
فإذا كان بعضُ الناس يرفض النقاب بحجَّة عدم ثبوت فرضيَّته – على زعمهم – أو بحجَّة استغلاله في ارتكاب الجرائم، فإنَّ في المقابل ظواهرَ أخلاقيةً أخطرَ أثرًا، وأوسعَ انتشارًا، لا تجد منهم مثل هذا الحماس.
ومن ذلك التبرُّج، الذي جاءت النصوصُ الشرعيةُ القطعية بالتحذير منه، وبيانِ ما يفضي إليه من فسادٍ في الأخلاق، واضطرابٍ في القيم. بل ومعارضة الأصول الشرعية صراحة
فإن كان المنطقُ هو المنعُ بدعوى الضرر،
فلماذا يُغضُّ الطرف عن هذه الظواهر؟ ولماذا لا يُطالَب بالحدِّ منها، مع وضوح النصوص فيها، وظهور آثارها؟ أم أنَّ المعايير تُستدعى حين تخدم اتجاهًا معيَّنًا، وتُعطَّل حين لا تخدمه؟ وخلاصة ذلك: إنَّ معالجةَ الجرائم لا تكون بتعميم الأحكام، ولا باتخاذ الحوادث الفردية مطيَّةً لتصفية قضايا فكرية، وإنما تكون بالعدل، ووضع الأمور في مواضعها، والتفريق بين الجريمة الفردية والحكم العام.
فلا يُهدم أصلٌ بسبب انحراف فرد، ولا يُستغلُّ حادثٌ عابرٌ لفرض تصوُّراتٍ لا تستند إلى إجماعٍ، ولا تقوم على ميزانٍ منضبط.