قصة الشورى بين توقير الصحابة وافتراءات المغرضين
2 مايو، 2026
العلمانية وغزو بلاد العرب

سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي الجزء الرابع “
بقلم / د. بدر الفيومي
دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر
انتهينا في اللقاء السابق إلى أن كثيرًا مما أُلصق بأحداث السقيفة لم يكن من قبيل الأخبار المحكمة التي تقوم على نهج التحقيق والتمحيص، وإنما كان من آثار التزيد الذي مارسه بعض الرواة، الأمر الذي جعل طائفة من المجترئين يتلقفون هاتيك الروايات الواهية، ثم يعيدون ضخها في الوعي الجمعي الإسلامي على أنها حقائق قطعية لا تقبل النظر ولا المراجعة. وقد رأينا أن الرواية الصحيحة كشفت أن ما جرى في السقيفة لم يكن اقتتالًا على دنيا، ولا مؤامرة خفية، ولا صراعًا على سلطان بالمعنى الذي يحلو للمشككين والمنافقين أن يروجوه في حاضرنا المعيش، بل كان اجتهادًا محدودًا في لحظة استثنائية، أعقبه حسم وبيعة، فاستقر به أمر الأمة، وانسد به باب كان يمكن أن يقودها إلى زيغ عظيم.
وإذا ما انتقلنا من الكلام على السقيفة إلى البيعة نفسها، نجد أن من أكبر الأخطاء المعرفية في الوقت المعيش أن تُقرأ البيعة بمنطق الدولة الحديثة وحدها، أو بمقاييس العقود السياسية المعاصرة المجردة من بنيتها الدينية والرمزية. فالبيعة في الوعي الإسلامي الأول لم تكن مجرد إجراء شكلي لتثبيت حاكم، ولا كانت حركة إدارية باردة، بل كانت فعل شرعنة، وربطًا بين الجماعة وقيادتها، وعقدًا أخلاقيًا وسياسيًا في آنٍ واحد. ومن ثم فإن اختزالها في صورة تصويت سريع، أو اتفاق نخبوي مغلق، يقودنا إلى زيغ في الفهم؛ لأننا نحمّل المفهوم ما ليس فيه، ثم نحاكمه بمقاييس لم يولد في ظلها.
لقد بايع الصحابة أبا بكر رضي الله عنه لأنهم رأوا فيه أحقية السبق، وقوة الدين، وصفاء العقل، وقربًا خاصًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانة راسخة في الوعي الجمعي للأمة. ولم تكن المسألة عندهم مسألة غلبة عددية مجردة، ولا صراع أجنحة، بل كانت تقديرًا جماعيًا لرجل تتوافر فيه شروط القيادة في أخطر لحظات الجماعة الإسلامية.
ولذلك فإن البيعة لم تكن إهدارًا للشورى، بل كانت الثمرة العملية لها، ولم تكن تجاوزًا للأنصار، بل حفظًا لوحدة الجماعة، ولم تكن إقصاءً للفضلاء، بل ترتيبًا للمقامات على نحو يمنع التصدع والانقسام. وفي هذا الموضع تتجلى خاصية كبرى من خصائص الوعي الإسلامي المبكر، وهي أن الجماعة كانت تدرك قيمة الوحدة إدراكًا عميقًا، وتخشى الفرقة خشية وجودية؛ لأنها تعلم أن أي تصدع في ذلك الطور التأسيسي لن يكون خلافًا عابرًا، بل شرخًا في أصل البنيان كله.
ومن هنا قال أبو بكر ما قال، وحسم عمر ما حسم، وقبل الأنصار ما قبلوا، لا لأنهم قهروا أو سلبوا، بل لأنهم أدركوا أن مصلحة الجماعة فوق رغبات الأفراد وتقديرات اللحظة. وهذا هو الفارق بين قراءة ترى في البيعة إنقاذًا، وقراءة أخرى يفضلها المجدفون؛ لأنها لا ترى في كل حسم سياسي إلا نوعًا من المصادرة أو الاستلاب.
التوفيق الذي لازم الصديق وعمر في إخضاع المرتدين وآثار الحاقدين
وإذا ما انتقلنا إلى عهد الصديق رضي الله عنه بعد استقرار البيعة، نجد أنفسنا أمام طور آخر من أطوار التثبيت العميق.
لقد تولى أبو بكر الخلافة في لحظة بالغة التعقيد: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، واضطراب بعض القبائل، وظهور الردة، وامتناع طوائف عن أداء الزكاة، وتربص قوى الداخل والخارج، الأمر الذي جعل الدولة الإسلامية الناشئة كأنها أمام اختبار وجودي شامل. وهنا لا ينبغي للمتفقهين والمثاقفين أن يقرؤوا خلافة أبي بكر قراءة إدارية سطحية، بل حري بنا أن نقرأها بوصفها لحظة تأسيس ثانٍ، حفظت بها الجماعة نفسها بعد الصدمة الأولى.
وفي مثل هذه اللحظات، تنكشف المعادن، وتظهر نسقية القيادة الحقة. فقد أصر أبو بكر رضي الله عنه على إنفاذ جيش أسامة، مع أن بعض الناس رأوا تأجيله أولى نظرًا إلى ما يحيط بالمدينة من أخطار. غير أن الصديق أدرك أن التراجع في أول اختبار يفتح الباب لنهوج من التنازل لا تُعرف حدودها، وأن الوفاء بأمر النبي صلى الله عليه وسلم جزء من حفظ الجماعة، ومن حفظ هيبة الدولة، ومن تثبيت المعنى العميق للطاعة والاتباع.
وهنا نجد أن ما بدا لبعض الناس مخاطرة، كان في حقيقته عين الحكمة، لأن خروج الجيش ألقى الرهبة في نفوس العرب، وأشعرهم أن المدينة لم تضعف بموت نبيها، وأن نسق الجماعة ما زال قائمًا متماسكًا. ثم كان موقفه الشهير في قتال مانعي الزكاة. وقد ناقشه عمر رضي الله عنه أول الأمر، لكن أبا بكر ثبت ثباتًا عجيبًا، وقال كلمته التي صارت من أعلام السياسة الشرعية في الإسلام: إنه لا يقبل التفريق بين الصلاة والزكاة. وهذا الموقف لا يبدوا موقف تشدد مجرد، كما يحب بعض المجتزئين أن يصوروه، بل هو وعي عميق بأن الشرخ الأول إذا تُرك اتسع، وأن الجماعة إذا قبلت في بدايتها أن ينهار ركن من أركان الشرع، فإن ما بعده سيكون أشد وأخطر.
ولذلك شرح الله صدر أبي بكر لما مضى إليه، ثم شرح صدر عمر وسائر الصحابة بعد ذلك، فعلموا أن الحق معه. وفي هذا الموضع نجد أن أبا بكر لم يكن يدير الدولة بمنطق الارتجال، ولا بمنطق الخوف، ولا بمنطق التكيف العاجل مع الضغوط، بل بمنطق حفظ النسق الديني والسياسي معًا. فهو يعلم أن الردة ليست مجرد خروج بعض القبائل عن الطاعة، بل تهديد لكيان الأمة ووعيها الجمعي، وأن التساهل فيها سيفتح أبوابًا من التآكل لا تنغلق.
ومن هنا كان نصره في حروب الردة أكثر من مجرد انتصار عسكري؛ لقد كان إعادة تأسيس لوحدة الأمة بعد أول اهتزاز كبير، الأمر الذي يكشف لنا كيف تحولت القيادة الراشدة من مجرد إدارة للحكم إلى حراسة للمعنى.