منهج التدرج في علاج الخلافات الزوجية في القرآن الكريم
1 مايو، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان أستاذ التفسير وعلوم القرآن
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه أجمعين.
كنت أقرأ وردي من القرآن الكريم ومن إن وصلت قوله تعالى: ﴿وَاللّاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظوهُنَّ وَاهجُروهُنَّ فِي المَضاجِعِ وَاضرِبوهُنَّ﴾ سورة [النساء: 34]
فقلت سبحان الله حينما يتحقق في الرجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخُلقَهُ، فأنكِحوهُ، إلَّا تَفعلوهُ تَكُن فِتنةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كبيرٌ، وفي روايةٍ : عَريضٌ : قالوا : يا رَسولَ اللَّهِ وإن كانَ فيهِ قالَ : إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخلقَهُ فأنكِحوهُ قالَها ثَلاثَ مرَّاتٍ)
أخرجه الترمذي (1085)، وابن معين في ((التاريخ)) (164)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (11/ 83)، والبيهقي (13610) واللفظ لهم
فيجمع الرجل بين الدين الذي به يعرف حق ربه ويخافه ويتقه وبين حسن الخلق الذي هو الترجمة الحقيقة العملية لهذا فيتعامل مع جميع الناس وخاصة أقرب الناس إليه من منطلق الدين وتقوى الله ومراقبته وحسن الخلق فيمتلك القوامة الحقيقية التي يستطيع أن يتحمل مسؤولية الأسرة وتبعات الحياة الزوجية وبها يستشعر مبكرًا جداً من خلال بعض الكلمات أو التصرفات مؤشرات نشوز الزوجة فيعالجها قبل أن ترتكب هذا الأمر أى تقع فيه (تخافون) قبل وقوعه أو ظهوره بل لمجرد الخوف من حدوثه ﴿وَاللّاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ﴾
(فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها ، التاركة لأمره ، المعرضة عنه ، المبغضة له . فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته ، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال)
فيعالجه وفق ضوابط الشرع الحكيم من خلال القرآن الكريم ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم فيستخدم الوسائل والأسائل والطرق التي وضحها القرآ لعظيم فقال تعالى: ﴿وَاللّاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظوهُنَّ وَاهجُروهُنَّ فِي المَضاجِعِ وَاضرِبوهُنَّ﴾ [النساء: 34]
فيبدأ أولاً: بالوعظ والتذكير والإرشاد والنصح والتوجيه والتعليم من منطلق ما لديه من دين وعلم باللطف والرأفة والرحمة من منطلق حسن الخلق فيذكرها بربها وسنة نبيها وكيف تكون الزوجة الصالحة وأجرها عند ربها إذا عرفت قدر زوجها فتستجيب الزوجة وتتأثر لأنها تحمل نفس المواصفات (فاظفر بذات الدين ) وعبارة “فاظفر بذات الدين” هي توجيه نبوي للمسلم ليكون همّه الأول والأخير هو صلاح دينها، لأنها الأساس في بناء الأسرة مؤكداً أن الدين هو المعيار الأهم للنجاح والاستقرار لذا إذا وعظها تستجيب لوعظ زوجها بما يمليه عليها دينها فيستقيم حالها وتتحقق المودة وتعود الرحمة لمسارها الذي كان وإن لم يجد هذا الأسلوب ولك ينفع الوعظ في العلاج ننتقل إلى المرحلة الثانية ﴿وَاهجُروهُنَّ فِي المَضاجِ﴾ وذلك حينما تمتلك المرأة صفات المرأة الحقيقية من أنوثة و إحساسٍ ومشاعر ورقة وتعرف قدر الحياة الزوجية وحق زوجها بما عندها من دين فتتأثر لمجرد أن يُعرض الزوج بوجهه عنها ويعطيها ظهر تتألم وتنزعج وتضطرب وتبحث عن حل وتسارع في ذلك ما استطاعت إليه سبيلا…. يا الله على عظم القرآن الكريم وبديع أسلوبه يضع علاجاً رقيقاً هادئًا لذوي الدين والخلق، لذوي المشاعر والأحاسيس والقيم والمبادئ، لذوي العاطفة والقلوب الرقيقة المملؤة بالحب والدفء للزوجات اللاتي وصفهن في الآية : (فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلغَيبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]
زوجات صالحات لا زوجات طالحات عنيدات إنه علاج للزوجات اللاتي تعرفن حق الله، و تعرفن قدر الزوج فتنزعج لمجرد الإعراض
لمجرد تغير وجهه وتغير هيئة نومه فيكون عقوبة لها فتقوم إليه وتقول له والله لا أذوق غمضاً حتى ترضى فتستحق البشارة بالجنة وبوصف أهل الجنة جاء في الحديث (ونِساؤُكُمْ من أهلِ الجنةِ الوَدُودُ الوَلودُ العؤودُ على زوجِها، التي إذا غَضِبَ جاءتْ حتى تَضَعَ يَدَها في يَدِ زَوْجِها، وتقولُ: لا أَذُوقُ غَمْضًا حتى تَرْضَى)
إنها المرأة العظيمة الودود الورود الولولود التى تحرص على زوجها وعشرته وبيتها وأسرتها فلا تكون سبباً في تفككها وهدمها
وأما المرأة النفور الشرود الجحود الكنود العنود الجمود التى تهدم المعبد بعندها وتخرب القصر بجهلها وتدمر الأسرة بشرودها ونفورها واستكبارها
الحديث يصف المرأة الصالحة التي تبادر بالصلح سواء كانت ظالمة أو مظلومة (إذا آذت أو أوذيت)، وهو مظهر من مظاهر حسن التبعل والود والألفة وحسن الخلق ورجاحة العقل أن تحتوي زوجها فلا ترضى لمجرد أن يعطيها ظهره فتتأثر وتسرع لإرضائه لما وجدت من دينه ودماثة خلقه وحسن عشرته ومعروفه معها فقد زرع ما يجعلها لا تستطيع الاستغناء عن النظر في وجهه أو إعراضه عنها في حالتي الرضا والغضب
فكان هجر الفراش في الإسلام، كعقوبة تأديبية للزوجة، تنبع من سياق تربوي إصلاحي، وليس من باب التسلط أو الإيذاء النفسي. فقد أباح الله تعالى للزوج هجر زوجته في الفراش (المضجع) في حال “النشوز”، وهو استعلاء الزوجة على زوجها وامتناعها عن حقوقه الشرعية، كنوع من العلاج التدريجي للمشاكل الزوجية
فالميثاق الغليظ الذي هو عقد الزواج بين الزوجين قوة الحقيقة في المودة والرحمة التي تؤدي إلى السكن الحقيقي (لتسكنوا إليها) فحينما تتحقق المودة وتسود الرحمة يتأثر كل قرين بقرينه فلا يستغنى أحدهما عن الآخر فجعل الله تعالى العلاج في مجرد أن يعرض الزوج عن زوجه لينتبه كل متهما ويعيد حسابته لترجع الأمور إلى مسارها الطبيعي فلا نتطرق إلى العلاج الثالث:
(وَاضرِبوهُنَّ) بمعانيه المختلفة وكلها معان رقيقة تدل على مدى الحب والود والعتاب اللطيف الظريف الخفيف وان كان ضرباً بمعنى الضرب فضرب بالسواك أو ضرب لا يوجع ولا يؤلم ولا يكسر عظماً ولا يقبح ولا يضرب الوجه يا له من دين عظيم تمتلئ تعليمات بالرفق واللين حتى في أوقات العتاب والعقاب