يا عمال مصر… أنتم صُنّاع الحضارة وبناة المجد

بقلم الدكتور : محمد القاسم

يوم العمال في مصر ليس مناسبةً عابرة تُقال فيها كلمات الشكر، بل هو لحظةُ إنصافٍ حقيقية ليدٍ تبني، وعرقٍ يروي، وصبرٍ يصنع الحياة في صمت.

فالعامل ليس مجرد ترسٍ في آلة الإنتاج، بل هو روحها التي إن غابت، تعطّل كل شيء.

في كل مصنعٍ ينتج، وعلى كل طريقٍ يُمَهّد، وفي كل موقع بناء ينجز، هناك كرامةُ إنسانٍ يأبى أن يعيش عالةً على غيره، وإنسانٌ يكتب بجهده قصة وطنٍ لا تُروى كاملة، لكنها تُرى في كل إنجاز.

وقد رفع الإسلام من قيمة العمل حتى جعله عبادةً تُقاس بالنية والإتقان، قال تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]،
فهذا توجيهٌ يربط بين العمل والرقابة الإلهية، فيجعل الجهد أمانة، والإتقان مسؤولية. وجاء في هدي النبي ﷺ:

“إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه” أبو يعلى الموصلي (4386)، والطبراني في المعجم الأوسط (897)، والبيهقي في شعب الإيمان (4929)
ليؤكد أن القيمة الحقيقية ليست في مجرد الأداء، بل في جودة ما يُقدَّم، وفي الضمير الذي يحكمه.

وقد عبّر القائل عن هذا المعنى في صورةٍ صادقة:
وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تؤخذُ الدنيا غلابا
فالحياة لا تُمنح لمن ينتظر، بل لمن يعمل ويصبر ويجتهد

وهذه هي قصة العامل كل يوم؛ جهدٌ متكرر، وصبرٌ طويل، وأملٌ لا ينقطع.

وفي يوم العمال، لا يكفي أن نحتفي بالكلمات، بل ينبغي أن نُحول التقدير إلى وعيٍ يحفظ للعامل كرامته، ونُدرك أن بناء الأوطان لا يقوم إلا على أكتاف من يعملون بإخلاص، في صمتٍ غالبًا، لكن أثرهم يملأ المكان.

والوصية للأجيال:
لا تنظروا إلى العمل على أنه مجرد وسيلة للرزق، بل هو قيمةٌ تُبنى بها ذواتكم، وشرفٌ تُسهمون به في نهضة أوطانكم. أتقنوا ما تعملون، وأخلصوا فيه، واعلموا أن كل جهدٍ صادق، مهما بدا صغيرًا، هو لبنةٌ في بناءٍ عظيم.

وسيظل العامل المصري شاهدًا حيًّا على أن الكرامة لا تُوهب، بل تُصنع بالعمل، وأن الأوطان القوية لا تُبنى إلا بسواعد صادقة، وعقولٍ واعية، وقلوبٍ تعرف معنى الإخلاص.