غيرة الرجل بين الفطرة والتفكيك الثقافي

بقلم الكاتب والمفكر : أ . محمد نجيب نبهان 

ما يُلاحظ في السنوات الأخيرة أن فئة غير قليلة من النساء باتت تمتدح الرجل منزوع الغيرة، بل وترغب في الارتباط به وتصفه بالرجل المتحضر والمتفهم والمنفتح. غير أن التأمل العميق في هذه الظاهرة يكشف أن المسألة في كثير من الأحيان لا تتعلق بإعجاب حقيقي بشخصية هذا الرجل أو بفضائله الأخلاقية، وإنما تتعلق بالدور الوظيفي الذي يؤديه في حياة تلك المرأة؛ إذ يتحول إلى غطاء اجتماعي وقانوني يسمح لها بحرية الحركة دون مساءلة، ويوفر لها إطار الزواج الذي يمنحها الاستقرار المادي والاعتراف الاجتماعي، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بمساحة واسعة من السلوكيات التي كانت في المجتمعات التقليدية تعد خروجًا عن مقتضيات الالتزام الأسري.

لقد انقلبت معايير كثيرة في الثقافة المعاصرة، حتى أصبح الرجل الذي يحافظ على غيرته وحدوده الأخلاقية يوصف بالتشدد أو التخلف أو المرض النفسي، بينما يُشاد بالرجل الذي يتخلى عن هذه الغيرة بوصفه نموذجًا للتقدم والتحضر. وهذه المفارقة ليست حادثة عرضية في التاريخ الاجتماعي، بل هي علامة على تحول عميق في البنية القيمية للمجتمعات الحديثة، حيث أعيد تعريف الفضائل والعيوب بطريقة تخدم رؤية ثقافية جديدة ترى في الحرية الفردية القيمة العليا التي ينبغي أن تخضع لها كل القيم الأخرى. وفي التراث الإسلامي لم تكن الغيرة يومًا صفة مذمومة، بل كانت من دلائل المروءة وكمال الرجولة، وقد ارتبط مفهوم الغيرة بحماية العرض وصيانة الأسرة والحفاظ على الحدود التي تضبط العلاقة بين الرجل والمرأة.

وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه»، وهذا النص يحمل دلالة أخلاقية عميقة؛ إذ يربط بين الغيرة وبين الإحساس بحرمة الحدود التي لا يجوز تجاوزها. فالغيرة في هذا السياق ليست انفعالًا بدائيًا أو مرضًا نفسيًا كما يحاول بعض الخطاب الثقافي المعاصر تصويرها، بل هي تعبير عن حس أخلاقي رفيع يرى أن العلاقات الإنسانية لا يمكن أن تقوم بلا حدود تحميها من الفوضى والانفلات.

وإذا انتقلنا من البعد الشرعي إلى البعد الفلسفي وجدنا أن الغيرة ترتبط بمفهوم الملكية الرمزية للعلاقة الإنسانية. فالإنسان بطبيعته يشعر بأن العلاقة التي يبنيها مع الآخر ليست مجرد تفاعل عابر، بل هي رابطة ذات معنى، وهذه الرابطة تستدعي نوعًا من الحماية النفسية والمعنوية. ولهذا فإن الغيرة في معناها العميق تعبير عن إدراك الإنسان لقيمة العلاقة التي يعيشها، وعن خوفه من أن تتحول تلك العلاقة إلى مجال مفتوح للمنافسة أو التلاعب أو الابتذال.

وقد ناقش فلاسفة الأخلاق عبر التاريخ هذه الفكرة بطرق مختلفة، فالفيلسوف الألماني Immanuel Kant تحدث عن فكرة الكرامة الإنسانية بوصفها قيمة لا يجوز التعامل معها كوسيلة لتحقيق رغبات الآخرين، بينما رأى الفيلسوف اليوناني Aristotle أن الفضيلة الأخلاقية تقوم على التوازن بين الإفراط والتفريط، وهو ما يمكن تطبيقه على مفهوم الغيرة أيضًا؛ إذ إن الغيرة المفرطة تتحول إلى شك مرضي يقوض الثقة، بينما يؤدي غيابها الكامل إلى تفكك المعنى الأخلاقي للعلاقة.

وفي علم النفس الاجتماعي تشير الدراسات إلى أن الغيرة ليست مجرد انفعال عاطفي سلبي، بل هي استجابة نفسية مرتبطة بآليات حماية العلاقة. وقد كتب عالم النفس التطوري David Buss عن الغيرة بوصفها آلية تكيفية نشأت عبر التاريخ البشري لحماية الروابط الزوجية وضمان استقرار الأسرة.

فالعلاقة الزوجية في معظم الثقافات ليست مجرد علاقة عاطفية، بل هي مؤسسة اجتماعية مرتبطة بالنسل والنسب والاستقرار الاقتصادي. ومن هنا فإن الغيرة المعتدلة تعمل كإشارة نفسية تدفع الإنسان إلى حماية هذه المؤسسة من العوامل التي قد تهددها. غير أن الثقافة الحديثة، المتأثرة بالفردانية الليبرالية، سعت إلى إعادة تعريف هذه الانفعالات الطبيعية باعتبارها عوائق أمام الحرية الفردية.

فبدلاً من النظر إلى الغيرة بوصفها آلية لحماية العلاقة، أصبح يُنظر إليها بوصفها شكلاً من أشكال السيطرة الذكورية أو العنف الرمزي. وقد لعب الإعلام الحديث ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في ترسيخ هذا التصور، إذ أصبحت صورة الرجل المثالي في كثير من الأعمال الفنية هي صورة الرجل الذي لا يعترض على شيء ولا يضع حدودًا لأي سلوك، بل يكتفي بدور المتفرج المتسامح الذي يبتسم لكل شيء.

وهذه الصورة في حقيقتها ليست تعبيرًا عن تطور أخلاقي، بل عن تفريغ العلاقة الزوجية من مضمونها الأخلاقي وتحويلها إلى مجرد ترتيب اجتماعي مرن يخدم مصالح الأفراد. وفي المقابل أصبح الرجل الذي يتمسك بغيرته وحدوده الأخلاقية يُصوَّر بوصفه شخصية رجعية أو متخلفة، وكأن الدفاع عن القيم الأسرية أصبح نوعًا من الجرائم الثقافية. ومن منظور علم النفس يمكن فهم سبب تفضيل بعض النساء للرجل الذي لا يغار من خلال مفهوم “الحدود النفسية”. فالإنسان بطبيعته يميل إلى اختبار الحدود التي يضعها الآخرون له.

فإذا وجد حدودًا واضحة فإنه يتعامل معها بقدر من الانضباط، أما إذا وجد غيابًا تامًا للحدود فإنه يميل إلى توسيع مساحة سلوكه بلا قيود. ولهذا فإن العلاقة التي لا تحتوي على حدود أخلاقية واضحة غالبًا ما تتحول مع الوقت إلى علاقة غير مستقرة. وفي التحليل النفسي يشير بعض الباحثين إلى أن الإنسان الذي يرفض أي شكل من أشكال القيود قد يكون في الحقيقة مدفوعًا بنزعة نرجسية ترى أن رغباته الشخصية ينبغي أن تكون فوق كل اعتبار.

وهذه النزعة تتضخم في المجتمعات التي تشجع الفرد على أن يرى نفسه مركز الكون. ومن هنا يمكن فهم التحول الثقافي الذي جعل بعض الخطابات المعاصرة تهاجم مفهوم القوامة وتصفه بالهيمنة الذكورية، رغم أن القوامة في الفقه الإسلامي ليست سلطة مطلقة بل نظام مسؤولية يقوم على التكليف بالإنفاق والرعاية والحماية. إن القوامة في جوهرها تعني أن الرجل مكلف بأن يكون حارسًا أخلاقيًا للأسرة، لا سيدًا متسلطًا عليها. وإذا تخلى الرجل عن هذه المسؤولية فإنه في الحقيقة يتخلى عن الدور الذي جعله الشرع مناطًا به.

وفي المقابل فإن المرأة التي تبحث عن رجل منزوع الغيرة قد لا تكون بالضرورة امرأة سيئة النية، لكنها في كثير من الأحيان تكون متأثرة بثقافة ترى أن الحرية الفردية المطلقة هي الطريق الوحيد للسعادة. غير أن التجربة الإنسانية عبر التاريخ تثبت أن الحرية التي لا تضبطها القيم تتحول سريعًا إلى فوضى عاطفية واجتماعية. فالعلاقات الإنسانية لا تقوم على الرغبة وحدها، بل تحتاج إلى قدر من الانضباط الأخلاقي الذي يحفظها من التآكل الداخلي.

وقد لاحظ علماء الاجتماع أن المجتمعات التي شهدت تراجعًا في مفهوم الأسرة التقليدية تعاني عادة من ارتفاع معدلات الطلاق وتفكك الروابط الاجتماعية. وهذه الظواهر ليست مجرد أرقام في تقارير إحصائية، بل هي مؤشرات على أزمة أعمق في فهم معنى العلاقة الإنسانية. إن الرجل الذي يتمسك بغيرته ليس بالضرورة رجلًا قاسيًا أو متسلطًا، بل قد يكون ببساطة إنسانًا يرى أن العلاقة التي يعيشها تستحق أن تُصان من الابتذال.

والغيرة المعتدلة ليست نقيض الثقة، بل هي في كثير من الأحيان التعبير الطبيعي عن عمق الالتزام بالعلاقة. فالرجل الذي لا يشعر بأي غيرة تجاه زوجته قد يكون في الحقيقة فاقدًا لشعور المسؤولية أو الارتباط العاطفي العميق. ولذلك فإن تمسك الرجل بغيرته ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو موقف أخلاقي وفلسفي يعبر عن رؤيته لطبيعة الإنسان والعلاقة الزوجية.

ومن منظور الفلسفة الأخلاقية يمكن القول إن الغيرة تمثل نوعًا من “الحراسة الرمزية” للقيم التي يقوم عليها المجتمع. فالمجتمع الذي يفقد حساسيته تجاه انتهاك حدوده الأخلاقية يصبح مجتمعًا بلا مناعة ثقافية. ولهذا فإن الهجوم المتكرر على مفهوم الغيرة ليس مجرد جدل ثقافي عابر، بل هو جزء من صراع أعمق حول تعريف الفضيلة والرذيلة. فإذا أصبح التخلي عن الغيرة فضيلة، وأصبح التمسك بها عيبًا، فإننا نكون أمام انقلاب قيمي حقيقي. وفي النهاية يبقى السؤال الفلسفي الكبير الذي ينبغي أن يطرحه كل إنسان على نفسه:

هل العلاقات الإنسانية مجرد اتفاقات مؤقتة بين أفراد مستقلين تمامًا، أم أنها روابط أخلاقية عميقة تتطلب نوعًا من الالتزام والانضباط؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد طبيعة المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه. فإذا اخترنا النموذج الأول فإننا نقبل ضمنيًا أن تتحول الأسرة إلى مؤسسة هشة يمكن أن تنهار عند أول اختبار للرغبات الفردية. أما إذا اخترنا النموذج الثاني فإننا نعترف بأن الحرية الحقيقية لا تعني غياب الحدود، بل تعني القدرة على الالتزام بها طوعًا حفاظًا على المعنى الأعمق للعلاقة الإنسانية. وفي هذا السياق يمكن القول إن الرجل الذي يرفض التخلي عن غيرته لا يدافع فقط عن نفسه، بل يدافع عن فكرة أقدم وأعمق من الفردانية المعاصرة، وهي فكرة أن الأسرة ليست مجرد عقد بين شخصين، بل هي نواة الحضارة الإنسانية كلها.

فإذا انهارت هذه النواة فقد المجتمع أحد أهم أسسه الأخلاقية، وتحول الزواج من ميثاق غليظ إلى مجرد ترتيب اجتماعي مؤقت تحكمه المصالح العابرة. ولذلك فإن تمسك الرجل بغيرته ليس موقفًا عاطفيًا ضيقًا كما يحاول البعض تصويره، بل هو في جوهره دفاع عن نظام أخلاقي كامل يرى أن العلاقات الإنسانية لا يمكن أن تبقى إنسانية إذا فقدت حدودها ومعناها.