ليس كل عطاء كرامة ولا كل منع حرمانًا
28 أبريل، 2026
منبر الدعاة

بقلم : أ. حامد عمر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (الإسراء: 20). هذه الآية العظيمة تفتح للمؤمن آفاقًا واسعة في فهم طبيعة الرزق في الدنيا، وحكمة الله في توزيع العطاء بين عباده، وتؤكد على شمولية رحمة الله تعالى التي لا تنقطع، حتى عن الكافرين في هذه الحياة الدنيا.
أولاً: تفسير الآية في ضوء الكتاب والسنة
{كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ}: أي أن الله سبحانه وتعالى يمد -أي يرزق ويزيد- كلا الفريقين: من يريد الدنيا (البر والفاجر، المؤمن والكافر) ومن يريد الآخرة.
{مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ}: الرزق في الدنيا هو عطاء من الله، مبني على مشيئته وحكمته في التفضيل في الرزق، ولا يعني العطاءُ المحبةَ، كما أن المنعَ لا يعني البغض.
{وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}: “محظوراً” تعني ممنوعاً. أي أن رزق الدنيا ليس ممنوعاً عن أحد، لا عن مؤمن ولا عن كافر، فالله يرزق الجميع بفضله وإحسانه.
شمولية عطاء الله (الدنيا والآخرة)
وفقاً لتفسير العلماء (كالطبري والبغوي وابن كثير):
عطاء الدنيا عام: هو للبر والفاجر، والمؤمن والكافر، يرتعون بفضل الله.
عطاء الآخرة خاص: لا يُعطي الله الآخرة إلا لمن أحب، قال رسول الله ﷺ: “وإنَّ اللهَ يُعطي الدُّنيا من يُحبُّ ومن لا يُحبُّ، ولا يُعطي الإيمانَ إلَّا من أحبَّ” (صحيح الإسناد).
حكمة إمداد الكافر بالرزق:
أمد الله الكفار في الدنيا لحكمة، وهي أنهم طلبوا الدنيا فمنحهم الله إياها، ولكن لا حظ لهم في الآخرة. وهذا دليل على أن عطاء الله غير محظور، أي لا يمنعه أحد، ولا يرده راد.
حكمة “المنع” في سياق “العطاء”
لا يعني التفاوت في الأرزاق أن الله عاجز، بل هو “فضل وتفضيل”. فالله يرزق المؤمن على قدر ما يصلحه، ويمنع عنه ما يفسده.
ربما أعطاك فمنعك: يمنعك من زخارف الدنيا ليفتح لك باب التفرغ للطاعة والقرب منه.
ربما منعك فأعطاك: قد يكون المنع عينه هو عين العطاء؛ لأن الله حماك من الفتنة.
الدروس المستفادة في ضوء الكتاب والسنة
الرضا بقضاء الله: لا ينبغي للمؤمن أن يحزن على فوات الدنيا، ولا يحسد من أُعطي منها؛ فالله يمد الجميع.
شكر الله على العطاء: يجب شكر الله على ما أعطى، واستعمال العطاء في طاعته، لأن “عطاء الله” هو فضل وليس استحقاقاً.
العمل للآخرة: يجب أن يكون طموح المؤمن هو ما عند الله، لأن “وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً”.
الله هو “المعطي”: اسم الله المعطي يقتضي تفويض الأمر إليه، والثقة برزقه
إن آية “وما كان عطاء ربك محظوراً” هي تذكرة بتمام قدرة الله وسعة كرمه. الله سبحانه لا يحبسه مانع، ولا يمنعه راد، وهو يرزق العباد حكمة وعدلاً. فمن طلب الدنيا وحده، أخذ حظه منها ولا حظ له في الآخرة، ومن طلب الله، أعطاه الدنيا والآخرة.