الإنسان بين التكريم الإلهي وحدود السلطان
28 أبريل، 2026
منبر الدعاة

بقلم الكاتب والباحث : د. عبد الكريم فتاح أمين
إن الأدلة القاطعة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تثبت لنا إن عامة البشر لا ترى الجن بوجه من الوجوه إلا من تعرض لخلل عقلي وفقد شعوره وبخلاف ذلك هم يروننا :
﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: 27]
ولقد صرح القرآن الكريم بأن الله تعالى قد كرم الإنسان وسخر له معظما من مخلوقاته بأن يستفيد منه ويستعملها في مصالحه الذاتية ومتعلقاته.
وبديهي جعل تلك الكائنات الحية وغيرها نوعين:
نوع منها حلال ومباح استخدامها وتناولها كالمواشي من البقر والغنم والسمك…. ونوع منها أصبحت محرماً عليه، وبعض من ذلك النوع يعرف بأنه عدو الإنسان وضده ويحاول أن يقضي عليه ويهشمه ويهلكه كالاسد والنمر والذئب…… كما قال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، أجل الإنسان ضعيف ونحيف فوق الغاية من حيثية الجسم والعنصر ولكن الله تعالى أعطاه نعمة العقل والتفكير فهو بهذه النعمة الثمينة يقضي على تلك الحيوانات المتعدية إذا أرادت تمزيق الإنسان واهلاكه..
فالإنسان فضلاً عن السيطرة على أقاليم الأرض والتصرف فيها كذلك يصعد في عمق أديم سماء الدنيا وجعلها محل أسفاره سفر السياحة والرفاهة والعسكرة والتجارة ولكن رغماً على ذلك اقتضت حكمته الله تعالى الجبارة تحديد مقدوراته وسلطانه، في بعض الأحيان فالفقر خير للإنسان ، وفي بعض آخر الغنى وسعة المعيشة إلى غير ذلك من المرض والصحة والقوة والضعف والحسن والقبح والطول والقصر والسعة والضنك، فالفرآن الكريم قد صرح بتلك الحالات في الآيتين الآتيتين:
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) الإسراء.
وللمعلوم ليس هذا الكائن وحيداً يدور في هذا الكون بل جم غفير من الكائنات الأخرى تشارك في تمرير الحياة وتدور في هذا الكون كالانسان وتتمتع ولكن الله تعالى أخفاها عنه كالجن وذلك بحكم عديدة:
١- الايمان بالغيب، إذ المخلوقات لدى الإنسان نوعان:
الأول: تستطيع حواسه المدركة أن تدركه، وذلك كالماديات بين أيدينا من الأرض والماء والجبال والنجوم والكواكب.
الثاني: لا تستطيع درك حقائق أشياء كثيرة ولا تستطيع أن يراها وهي توجد حوله مثل الرياح والحر والبرد والجن.
٢- وجود اشياء خارج دائرة قوته وسلطانه البشرية، فالإنسان قبل مخالطة أمر الله تعالى ونهيه وفهم شريعته جبلا يتغير ويخطو نحو الطغيان والاستكبار، فالفقر والمرض والاحمال الثقيلة جنود الله تعالى تنكسه وتدفعه نحو الانقياد والامتثال كما قال سبحانه:
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (7) سورة العلق.
فالانسان لیس مفتوحا ومتسلطا أمام الجن ويتصرف فيه بما يشاء شريطة قيامه بالتزامات دينية ، على سبيل التمثيل فالشياطين لا يرون عورة الإنسان في الخلاء إذا قرؤا الصيغ التي وردن في السنن النبويه على صاحبها افضل الصلاة وأتم التسليم :
(( عن علي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم، إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله.
فقلنا في صدر المقال إن عامة الناس لا يرون الشياطين ، وهذا إشارة دقيقه إلى أن خواص الأمة من الأنبياء والمرسلين والاولياء يستطيعون ذلك كما ورد في الحديث:
(( عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: وكَّلَني رسولُ اللَّهِ ﷺ بحِفْظِ زَكَاةِ رمضانَ، فَأَتَاني آتٍ، فَجعل يحْثُو مِنَ الطَّعام، فَأخَذْتُهُ فقُلتُ: لأرَفَعَنَّك إِلى رسُول اللَّه ﷺ، قَالَ: إِنِّي مُحتَاجٌ، وعليَّ عَيالٌ، وَبِي حاجةٌ شديدَ ةٌ، فَخَلَّيْتُ عنْهُ، فَأَصْبحْتُ، فَقَال رسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيْهِ وآلهِ وسَلَّمَ: يَا أَبا هُريرة، مَا فَعلَ أَسِيرُكَ الْبارِحةَ؟ قُلْتُ: يَا رسُول اللَّهِ شَكَا حَاجَةً وعِيَالًا، فَرحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سبِيلَهُ. فَقَالَ: أَما إِنَّهُ قَدْ كَذَبك وسيعُودُ فَعرفْتُ أَنَّهُ سيعُودُ لِقَوْلِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرصدْتُهُ. فَجَاءَ يحثُو مِنَ الطَّعامِ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعنَّكَ إِلى رسولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ: دعْني فَإِنِّي مُحْتاجٌ، وعلَيَّ عِيالٌ لاَ أَعُودُ، فرحِمْتُهُ فَخَلَّيتُ سبِيلَهُ، فَأَصبحتُ، فَقَال لي رسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَبا هُريْرةَ، مَا فَعل أَسِيرُكَ الْبارِحةَ؟ قُلْتُ: يَا رسُول اللَّهِ شَكَا حَاجَةً وَعِيالًا فَرحِمْتُهُ، فَخَلَّيتُ سبِيلَهُ، فَقَال: إِنَّهُ قَدْ كَذَبكَ وسيَعُودُ. فرصدْتُهُ الثَّالِثَةَ. فَجاءَ يحْثُو مِنَ الطَّعام، فَأَخَذْتهُ، فقلتُ: لأَرْفَعنَّك إِلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وهذا آخِرُ ثَلاثٍ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، فَقَالَ: دعْني فَإِنِّي أُعلِّمُكَ كَلِماتٍ ينْفَعُكَ اللَّه بهَا، قلتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: إِذا أَويْتَ إِلى فِراشِكَ فَاقْرأْ آيةَ الْكُرسِيِّ، فَإِنَّهُ لَن يزَالَ عليْكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، وَلاَ يقْربُكَ شيْطَانٌ حتَّى تُصْبِحِ، فَخَلَّيْتُ سبِيلَهُ فَأَصْبحْتُ، فقَالَ لي رسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما فَعلَ أَسِيرُكَ الْبارِحةَ؟ فقُلتُ: يَا رَسُول اللَّهِ زَعم أَنَّهُ يُعلِّمُني كَلِماتٍ ينْفَعُني اللَّه بهَا، فَخَلَّيْتُ سبِيلَه. قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لي: إِذا أَويْتَ إِلى فِراشِكَ فَاقرَأْ آيةَ الْكُرْسيِّ مِنْ أَوَّلها حَتَّى تَخْتِمَ الآيةَ: اللَّه لاَ إِلهَ إِلاَّ هُو الحيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] وقال لِي: لاَ يَزَال علَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَنْ يقْربَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّه قَدْ صَدقكَ وَهُو كَذوبٌ، تَعْلَم مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذ ثَلاثٍ يَا أَبا هُريْرَة؟ قُلْتُ:
قُلْتُ: لاَ، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ ))
نعم من الأولياء والصالحين رأوا الجن وتكلموا معه وهذا مشهور ولا يجوز إنكاره كل( محمد بن واسع رحمه الله عليه:
(( اللهم إنك سلطت علينا عدوًا بصيرًا بعيوبنا، مطلعًا على عوراتنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، اللهم فأيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقنّطه منا كما قنّطته من عفوك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين جنتك))
فهم مكلفون بالإيمان والطاعة والانخضاع لشريعة الله تعالى جملة وتفصيلا:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (سورة الذاريات: 56)
ولكن خواص الإنسان من الأنبياء والمرسلين ومن وصل درجة القطبية من أهل الصفا والفراسة والقلب.