مكارم الأخلاق… جوهر رسالة الإسلام

بقلم  : أ . أحمد مصطفى
المعلم بالأزهر الشريف

الأَخْلَاقُ مِنَ الدِّين ولا يقوم الدِّين على العبادات وحدها، بل يقوم على منظومةٍ متكاملةٍ من الأخلاق التي تُهذِّب سلوك الإنسان، وتجعل عبادته مؤثِّرةً في حياته وتعاملاته. فالأخلاق ليست أمرًا ثانويًّا في الإسلام، بل هي ركنٌ أصيلٌ من أركانه، وغايةٌ عظيمةٌ من غايات رسالته.

لقد شبَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين قومه معروفًا بالصادق الأمين، لما اتصف به من أمانةٍ وصدقٍ وحسن معاملة. وكانت قريش تضع عنده أماناتها، خوفًا عليها من الضياع أو السرقة، فكان يحفظها ويردها إلى أصحابها كاملةً غير منقوصة. وكان ذلك قبل البعثة، مما يدل على أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم كانت راسخةً ثابتة. فلما بعثه الله تعالى نبيًّا، أكمل له مكارم الأخلاق وزاده منها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

الأخلاق أساس كمال الدين

بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت لإتمام مكارم الأخلاق التي قد توجد بين الناس ولكنها تضعف أو تُعطَّل. وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم، وجدنا أن كثيرًا من مظاهر الخلل ترجع إلى ضعف الأخلاق، مع أن الدين لا يكتمل بدونها. فقد يصلي الإنسان ويصوم، لكنه يسيء معاملة الناس، ويقابل الكبير بوقاحة، ويقسو على الصغير، وهذا يخالف هدي الإسلام.

ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا السلوك بقوله: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»، فبيّن أن الرحمة بالصغير، واحترام الكبير، من صميم الأخلاق التي يدعو إليها الدين.

الأخلاق في معاملة الوالدين والناس

ومن أعظم الأخلاق التي أكد عليها الإسلام بر الوالدين، وقد قرنه الله سبحانه وتعالى بتوحيده في كتابه الكريم، فقال تعالى:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

فهذا يدل على أن الأخلاق ليست مجرد آداب اجتماعية، بل هي أوامر شرعية يتقرب بها العبد إلى الله.

كما تشمل الأخلاق حسن التعامل مع جميع الناس، في البيع والشراء، وفي العمل، وفي الحديث، وفي كل مجالات الحياة، لأن المسلم يُعرَف بأخلاقه قبل كلامه.

النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في الأخلاق

وقد مدح الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾،

فكان صلى الله عليه وسلم مثالًا كاملًا في حسن الخلق، في بيته ومع أصحابه ومع الصغير والكبير، بل في جميع تصرفاته. فكان رحيمًا، حليمًا، صادقًا، متواضعًا، لا يقابل الإساءة بمثلها، بل يعفو ويصفح.

ومن خلال هذه الأخلاق انتشر الإسلام، وظهرت سماحته ووسطيته، كما قال تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.

ولا تتحقق هذه الوسطية إلا بالأخلاق الحسنة التي تُظهر جمال الدين وحقيقته.

الحاجة إلى الاقتداء بأخلاق النبي

نحن اليوم في حاجةٍ ماسّةٍ إلى العودة إلى أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وتطبيقها في حياتنا اليومية؛ في البيت، وفي العمل، وفي الشارع، ومع القريب والبعيد. فالأخلاق الحسنة تُصلح المجتمع، وتنشر المحبة بين الناس، وتُظهر صورة الإسلام المشرقة.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة، فلا بد أن نقتدي به في العبادة والمعاملة والأخلاق، وفي جميع شؤون حياتنا، حتى نحقق معنى الإسلام الكامل.

إن التمسك بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم طريقٌ للفوز في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا ينال الإنسان حسن السيرة وطيب الذكر، وفي الآخرة ينال القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال: «أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا».

فلنحرص على التحلي بالأخلاق الحسنة، ولنقتدِ بنبينا صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، حتى نكون من أهل الخلق العظيم، ونفوز برضا الله سبحانه وتعالى.