بين ألحان الغناء والقرآن… أيهما يسكن قلبك؟
18 أبريل، 2026
قضايا وأحكام

بقلم : أ. هالة أشرف
لقد قرر علماء السلوك أن القلب سريع التأثر بما يرد عليه من واردات، وأن السمع باب من أعظم و أخطر أبوابه. فكل ما يسمعه الإنسان يترك فيه أثرًا ليس عابرًا، بل هو غذاء خفي للروح إما أن ويقربه، أو يثقله ويبعده.
ومن هنا كان السماع عند الصوفية منضبطًا، لا يُترك للنفس وهواها، بل يُوزن بميزان الشرع وحال القلب.
فالأغاني المعاصرة – في كثير من صورها – لا تخلو من معانٍ تثير الشهوات، أو تزين التعلق بالدنيا، أو تهون من شأن المعصية، مما يجعلها سببًا في قسوة القلب وغفلته.
ومن جهة أخرى، يُلاحظ أن الإفراط في سماع الأغاني يضعف حضور القلب مع الله، ويجعل الذكر ثقيلًا على اللسان، إذ كيف يجتمع في القلب تعلق بالألحان وكثرة التفكر في معانيها، مع صفاء التوجه إلى الله؟ ولهذا يحرص الروحانيون الداعون إلى الله على استبدال ذلك بسماع ما يرقق القلوب من القرآن الكريم أو الأناشيد الروحية و المدائح النبوية.
ولم يكن تحذير العلماء من الغناء لمجرد الصوت أو اللحن، بل لما يحمله في كثير من الأحيان من مضامين، ولما يتركه من آثار تراكمية على القلب. فالقلب إذا اعتاد على اللهو، استثقل الطاعة، وإذا امتلأ بالأصوات الصاخبة، ضعف فيه صوت الذكر والخشوع.
ومن الجوانب التي أثارت جدلًا في هذا الموضوع، ما يُعرف بالرسائل الخفية في بعض الأغاني، حيث تم إثبات أن بعض المقاطع إذا أُعيد تشغيلها بصورة معكوسة، ظهرت فيها عبارات شيطانية مخيفة تمجد الشيطان و تقلل من قدر الله تعالى عند اولئك الذين لم يقدورا الله حق قدره. وقد أشار بعض المهتمين بدراسة التأثيرات السمعية إلى أن هذه الظواهر تفتح باب التساؤل حول ما يمكن أن يتسلل إلى النفس من معان خفية لا يدركها الوعي المباشر و لكنها تؤثر بشكل مؤكد – و خصوصا مع تكرار تلك المقاطع – إلى برمجة العقل البشري و السيطرة عليه و إبعاده عن طريق الله بخطوات صغيرة دون أن يدري.
وإذا كان الإنسان يتأثر بالكلمة الواضحة التي يسمعها، فكيف بما قد يترسخ في باطنه دون أن ينتبه له؟
إن النفس البشرية قابلة للتأثر بما يتكرر عليها، سواء أدركت ذلك أم لم تدركه، ولهذا يجب على الشباب المسلم الاحتياط، والبعد عن الضرر الذي يمكن أن يلحق به سواء كان ظاهرًا كان أو خفيًا.
كذلك نجد أن الكثير من المستمعين يختارون من الأغاني ما يتناسب مع حالتهم المزاجية. فإذا كان الشخص مهموم و مكروب تجده يكثر الإستماع إلى الأغاني التي تعبر عن صعوبة الحياه و مرار العيش، فلا يجني من ذلك إلا المزيد من البؤس و الشقاء، فيصبح قلبه أثقل و روحه يغلب عليها اليأس.
ألم يقل الحق سبحانه و تعالى ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾؟
بلى، شهدنا و كنا على ذلك من الشاهدين.
إن الطريق إلى الله يحتاج إلى قلب خفيف كالطير خالِ من التعلقات، قلب حاضرٍ مع مولاه، يختار من السماع ما يرقق قلبه و يغذي روحه لا ما هو مدخل إلى الشيطان و اولياؤه. وليس المقصود تحريم كل صوت جميل، بل تهذيب الذوق وتوجيه السمع إلى ما يزكي النفس، ويوقظ الروح.
وفي الختام، فإن المسلم مطالب بأن يكون بصيرًا بما يدخل إلى قلبه، فإن القلب كالإناء، وما يُملأ به يظهر أثره على الجوارح. فليختر لنفسه ما يقربه من الله، وليدع ما يورثه غفلة أو قسوة.