الميثاق الغليظ.. حماية الأسرة المصرية

بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر أستاذ أصول التربية كلية التربية جامعة الأزهر

تنطلق الرؤية الإسلامية للأسرة من كمال التقدير الإلهي لهذا الكيان، فهي رباط سماوي وصف بالميثاق الغليظ، في قول الحق تبارك وتعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)( سورة النساء آية 21)، فهذا التوصيف القرآني يخلع على العلاقة الزوجية جلباب القدسية، ويخرجها من دائرة الأثرة والفردية إلى رحاب المسؤولية الأخلاقية والشرعية، حيث يصبح الحفاظ على بيت المودة واجباً تعبدياً يتقرب به المرء إلى ربه، وفي ظل التحولات المعاصرة التي عصفت بالبنيان الأسري وحولته في كثير من الأحيان إلى ساحات للخصام، تتضح الحاجة الملحة لاستدعاء الأصول الشرعية التي جعلت السكن والرحمة، هما الغاية الوجودية للزواج، وهي ذات الغايات التي تسعى الدولة المصرية اليوم لبلورتها في قوانين الأحوال الشخصية الجديدة، لضمان استقرار عائلي لا يتزعزع أمام الصراعات وعواصف الحياة.

إن فلسفة الإسلام في إدارة الحياة الزوجية تقوم على مبدأ التكامل بعيدًا عن التصارع، وعلى تقديم الفضل عند وقوع الخلاف، عملاً بقوله عز وجل(وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)(سورة البقرة آية 237) ، فالأزمة التي تعيشها الأسرة الحديثة تكمن في تغليب لغة الحقوق الجافة على لغة المودة الرحبة، وهو ما أدى إلى اكتظاظ المحاكم بقضايا كان يمكن وأدها في مهدها بآداب الإسلام، ومن هنا، تكتسب جهود القيادة السياسية في تسريع وتيرة التقاضي صبغة شرعية خالصة، (فالمطل الغني ظلم…) كما أخبر النبي ﷺ، فتأخير حقوق النساء والأطفال في النفقة والسكن هو نوع من الجور الذي نهى عنه الدين ووضحه النبي الكريم ﷺ، كما إن الدولة تتحرك بروح الشريعة لتجعل من القانون سيفاً قاطعاً يحمي الضعيف ويمنع المماطلة التي تفتك بالأسر وتترك الأبناء في مهب الضياع والفاقة.

ويتجلى البعد الإنساني والشرعي في أبهى صوره عند الحديث عن صندوق دعم الأسرة المصرية، الذي يمثل تطبيقاً معاصراً لمقاصد الشريعة في حفظ النسل وكفاية المستضعفين، فالإسلام أوجب على ولى الأمر (الدولة) التدخل لصون كرامة الرعية، والقاعدة الفقهية تقرر أن التصرف على الرعية منوط بالمصلحة، حيث إن ضمان مورد مالي عاجل للطفل والمطلقة يحميهم من الوقوع في غيابات الفقر والحاجة، ويمنع تحول المحضون إلى وسيلة ضغط أو انتقام بين الطرفين، ومن ثم يسد هذا التوجه ثغرة طالما نفذ منها الشيطان لإفساد ما بقي من وشائج الود، ويؤكد أن المجتمع المسلم جسد واحد، إذا اشتكت منه أسرة تداعى له سائر الجسد بالسهر والحماية، مما يحقق المقصد النبوي في التراحم والتكافل.

وتتجاوز قضية الرؤية والاستضافة، الحدود القانونية إلى جذور صلة الرحم، فالأبناء أمانة الله في أعناق الوالدين، ولا يحل شرعاً أن يتخذ الطفل سلاحاً لتصفية الحسابات الشخصية، يقول الله تعالى:(لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ…) (سورة البقرة آية 233) ، فالقوانين التي تمنح الأب حق الاستضافة والرعاية المشتركة هي في حقيقتها إحياء لسنن البر والصلة، ومنع لجريمة القطيعة التي حذر منها الإسلام، فالطفل الذي ينشأ مشبعاً برعاية والديه حتى مع انفصالهما يكون أكثر اتزاناً وقدرة على نفع مجتمعه، وهذا الاستقرار العائلي هو الثمرة المرجوة من دعم المجتمع والدولة للأسرة، لضمان تخريج أجيال سوية نفسياً لا تحمل ضغائن الماضي ولكن تبني مستقبل الوطن بمودة ورحمة.

وفيما يخص تأهيل المقبلين على الزواج، فإن الإسلام قد سبقت تشريعاته كل القوانين الوضعية بطلب الباءة، فهي تشمل القدرة المادية، والياقة الشاملة للفرد مع النضج العقلي والبدني والنفسي؛ لذا تعد دعوة الدولة لتدريب الشباب وفحصهم وتوعيتهم هي واجب شرعي، لإقامة البيوت على بصيرة، فالجهل بمقاصد الزواج هو الوقود الذي يغذي نيران الطلاق السريع، وبناء الوعي بالحقوق الشرعية والواجبات الأخلاقية قبل توقيع العقد يقي المجتمع من عثرات الجهل وتخبط الأهواء، فالبيت المصري الذي تريده الدولة هو البيت الذي أُسس على تقوى من الله ورضوان، حيث يدرك الرجل معنى القوامة كمسؤولية ورعاية، وتدرك المرأة معنى السكن كمودة وعطاء، فتستقيم الحياة وتزدهر ببركة الامتثال لأوامر الله.

ونؤكد أن الانتقال بالأسرة المصرية من أروقة النزاع إلى رحاب المودة والسكينة يمثل مشروعاً قومياً متكاملاً، ينطلق من جوهر الشريعة الغراء والقيم الإيمانية الراسخة، ومن ثم تأتي التشريعات الجديدة وصناديق الحماية الاجتماعية، مدعومةً برؤية القيادة السياسية، كأدوات فاعلة لإرساء ميزان العدل الإلهي في بنية المجتمع؛ فالأسرة هي صمام الأمان الحقيقي للوطن، وصيانتها حمايةٌ للدين والدنيا على حد سواء، حيث يمثل استقرار البيت حجر الزاوية في استقرار الدولة ونموها.

ونحن اليوم بصدد عهدٍ جديد من الاستقرار العائلي، يستمد صلابته من تلاحم نصوص الوحي مع حزم القانون وعزم القيادة، ليظل الميثاق الغليظ حصناً منيعاً أمام تحديات العصر وتقلباته، حيث إن ترسيخ العدالة في العلاقات الخاصة هو الضمانة الأكيدة لفيض الرخاء في الحياة العامة؛ فمتى ساد الوئام تحت سقف البيت، تحولت البيوت المصرية إلى منارات للسكينة ومحاضن لبناء الإنسان القادر على صياغة مستقبل الوطن، لتظل مصر دائماً قويةً بتماسك عائلاتها وعراقة قيمها